تم التحديث: ٢٠ مايو ٢٠٢٦ 20:07:41

الصورة: *لوقا، الطفل رسم هذه الرسمة ليعبر فيها عما يعيشه من ألم جراء ما تعرض له في المدرسة. المصدر: والدة لوقا لمهاجر نيوز
لاجئة سودانية في ليبيا: ``بدل أن يتعلم طفلي تدمرت حياته``
المصدر: مهاجر نيوز
*زيتونة، لاجئة سودانية في ليبيا مع عائلتها المكونة من خمسة أشخاص، تروي لمهاجر نيوز معاناتها بعد أن تعرض ابنها *لوقا ذي السبع سنوات للاغتصاب في المدرسة، وتشرح العذابات في التمكن من علاجه وسط هشاشة وضعهم واستضعافهم، ما يضاف إلى طبقات من العنف الذي تعرضوا له قبل وبعد هروبهم من السودان.
بصوت فيه ثبات ويشي بالصبر، تحكي *زيتونة اللاجئة السودانية لمهاجر نيوز كارثة حلت بابنها في المدرسة، أكثر ما طبع حياة العائلة الشاقة، والتي تحاول جاهدة الهروب من العنف في السودان وليبيا:
"بعد جهد كبير، تمكنت عبر وسائل التواصل الاجتماعي من الوصول إلى شهادة ميلاد ابني الصغير لوقا ذي السنوات السبع وجلبها من السودان. فرحت كثيرا لأنه الوحيد من بين أخوته الذي استطعت تسجيله في المدرسة في ليبيا كوننا فقدنا أوراقنا الثبوتية بعد هروبنا من بلدنا. أردت أن يتعلم وألا يبقى مثل أخيه وأخته الأكبر منه اللذين لم يتعلما وأجهد معهما أنا في ذلك بدلا من المدرسة.
وهكذا تمكنت من تسجيل ابني في المدرسة التي تضم صفوفا متفاوتة، وحتى في الصف الواحد لا يكون الأطفال من نفس العمر حيث هناك طلاب متأخرون في الدراسة.
في الأول من أبريل، عاد لوقا إلى البيت، لم يتحدث مع أحد، ووضع على نفسه غطاء. اكتشفت أنه لم يأكل ساندويشته. أدخلت له الطعام في فمه ولم يأكل. كان متألّما. قال لي ’أتألم من الخلف، طالب طعنني بغصن من الخلف في الحمامات’. جفلت وارتفع ضغطي. كاد يغمى علي. عاينته، ولم أعي حجم الكارثة التي عبّر عنها هو بكلمات دون إدراك معانيها.
زوجي كان في العمل. ناديت لجارتي المستأجرة مع عائلتها في الغرفة الثانية من الشقة واتصلت بصديقتي. نصحوني بالذهاب إلى المنظمة الدولية للهجرة. لوقا أصبح يتألم أكثر ولم يقدر على الوقوف والمشي. عندما وصلنا للمنظمة، لم يره الطبيب وقال إن هذا الأمر ليس اختصاصه. أعطاني ورقة فيها اسم المستشفى الذي يجب أن أعالجه فيه.
صارت الساعة 7 والنصف مساء. ذهبت إلى المستشفى المكتوب في الورقة. سجلت على الدور وانتظرت مع ابني. بعد ساعتين، طبيبة نادت زميلتها. وقالتا لي ’ليس لدينا طب شرعي، يجب أن تثبتي أنه تعرض للاغتصاب. اذهبي إلى مستشفى آخر’ أعطتني اسمه. ذهبت إلى هناك وقالوا لي ’جسم الطب الشرعي مغلق، عودي غدا صباحا’. عدت، على الفور، إلى الطبيبة في المستشفى الأول، رجوتها ’أريد فقط علاجا، لا أريد طبا شرعيا، فقط علاجا’.
أثناء حديثنا، مر طبيب الجراحة، وقال ’لا نستطيع أن نفعل لك شيئا، يجب أن يُفتتح محضر لدى أمن المستشفى، اذهبي إليهم’. هنا تخطيت حاجز الخوف، كوننا بدون أوراق عدا عن ورقة المفوضية، وكان قد وصل زوجي. تحدثنا مع الأمن. قالوا لنا ’هذا ليس تحت إدارتنا. اذهبوا إلى إدارة حي آخر’ بعيد جدا عن الحي الذي كنا فيه.

صارت الساعة 10 ونصف ليلا. ذهبنا إلى الأمن في الحي الآخر. قالوا لنا ’نعم نكتب لكم المحضر، لكن قبل ذلك أحضروا أوراقكم وعالجوه ثم تعالوا إلينا’.
تلفت أعصابنا. وأنا في طريق العودة، خطر ببالي أن نذهب إلى مستشفى خاص في حينا وألا نقول إن ابننا تعرض للاغتصاب. وفعلا دخلنا للمستشفى وقلت للطبيب ’ابني مجروح من الخلف’، فكشف عليه، ونادى زوجي وأخذه بعيدا خارج المستشفى وقال له ’ابنك تعرض للاغتصاب، سأصف له مرهما’ وسأل عن عمر الطالب الذي اغتصبه. وقَبل أن يكتب التقرير. واستطعنا تأمين المرهم.
تحدثت تقارير إعلامية عن منع نساء مهاجرات حوامل من الدخول إلى المشافي في ليبيا. وأكد حقوقيون الأمر نفسه. وأوضح طارق لملوم، مدير مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء، ومسؤول المناصرة في مرصد بلادي لحقوق الإنسان، لمهاجر نيوز أنه "عموما يتم العلاج للمقيمين في ليبيا ولديهم أوراق، وفي السابق لم يكن هناك مشكلة في دخول المستشفيات العامة، ويختلف الأمر حسب المدينة، لكن العام الماضي كان هناك تشديد أمني وتم منع حتى العيادات الخاصة من استقبال المهاجرين. والأمر متروك لمزاج الطبيب والشخص الموجود في المستشفى، لكن في الغالب يتم رفضهم من لونهم، خاصة الأفارقة من جنوب الصحراء الكبرى".
في صباح اليوم التالي، ذهبنا إلى إدارة المدرسة. أنكرت الإدارة تماما حصول ذلك. حضرت الأخصائية الاجتماعية، وأحضروا كل الطلاب المحتمل قيامهم بالاعتداء، كل من هم في الصف الخامس ولديهم اسم محدد قاله ابني. أعمارهم أكبر، فهم بين 14 و17 عاما. ولكن، في كل مرة طُلب من ابني الإشارة إلى المغتصب كان يخاف ويعود إلى الخلف.
بناء على ذلك، قرّرت الأخصائية الاجتماعية نفي ما حصل قائلة إنه ’لم يحصل ولن يحصل أمر كهذا’. ولم تعترف الإدارة بالتقرير الطبي. قلتُ لهم ’لا أضمن أمن طفلي في هذه المدرسة’. ردت الأخصائية ’أنت أدرى بمصلحة ولدك’. قلت بنفسي ’ليت عمره لا يذهب إلى المدرسة. لا أريد سوى أن يستطيع التواصل مع الناس ويقرأ ويكتب’.
عدت لاحقا طلبت من إدارة المدرسة إذا كان ممكنا فقط تقديم الامتحان. قالوا لي يجب أن أكتب ورقة أطلب فيها ذلك دون ذكر سبب توقيف الدراسة. وكوني متضررة، لم يرحموني من قسط الامتحان أو على الأقل أن أدفع قبل الامتحان وليس في أول الفصل.
لوقا ساءت حالته. مؤخرا أصبح لديه تبول لا إرادي. أصبح أكثر عنفا. صار يضرب أخوته. وصار يفضل العزلة. يضع عليه الغطاء بدون سبب. يتألم كثيرا خصوصا في الليل. أضع له المراهم وأدلكه كي يرتاح قليلا. أخوته عرفوا بالأمر. كانوا يضربونه أو يضايقوه. بدأوا يتفهمونه ويصبروا عليه. نعيش تجربة قاسية جدا وتحتاج إلى الكثير من الوقت كي نستوعبها ونشفى منها.
المفوضية السامية لشؤون اللاجئين قالت إنها رفعت شكواي. دعتني لمحاضرة توعوية أنا ولوقا لكن موضوعها كان لا يخص ما تعرض له. كان حول الوثائق وشهادات الميلاد والوفيات والزواج. وعدوني بتتبع الحالة، لكن الوقت يمر وابني يحتاج إلى دعم فوري.
تقول زيتونة "أنا وزوجي أعمارنا في أواخر الأربعينات، ولدانا الاثنان أعمارهما 13 و11 سنة. وصلنا إلى ليبيا في أكتوبر 2022. هربنا من السودان بسبب النزاعات القبلية التي قضت على والدي والذي، عند وصولي إلى بيته، كان قد قتل وكانت الحرائق تلتهم البيوت كلها في 2019. كنت أحمل لوقا على يدي حينها، فيما زوجي سبقني وهو يحمل ولداي الآخرين. ولحظة اكتشافي لمقتل والدي، ضربني المهاجمون على رأسي واغتصبوني بعد أن دافعت عن طفلي بين ذراعي وهم يتحرشون به ويقولون إنه ليس صبيا وحاولوا قطع عضوه التناسلي. فقدت السمع في أذني اليمين بشكل كامل من كثرة الضرب.
قررنا الذهاب إلى ليبيا ومحاولة الوصول إلى أوروبا. فقدنا أوراقنا الثبوتية على طرق الهجرة نحو ليبيا، من بينها شهادتي ’دبلوم متوسط تمريض’. احتُجزنا أسبوعين في أجدابيا خلالها سُرق كل ما لدينا من مال استطعنا إخراجه من السودان، ولم نأكل أو نشرب إلا فيما ندر. ثم نُقلنا للعمل سخرة في قطف الثمار في مزرعة في المرج في الجبل الأخضر وبقينا رهن الاحتجاز مدة شهرين. في المزرعة، بدأنا بالتعرف على الناس ومن ثم هربنا وسعينا لتغيير واقعنا. وسجلنا في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.
نعيش منذ ذلك الحين في ضواحي طرابلس في غرفة أجرتها 450 دينارا [حوالي 70 دولارا]، فيما تستأجر عائلة أخرى الغرفة الثانية من الشقة. وليس لدينا أي نوع من المساعدة لا في السكن ولا في أي شيء، والخدمات الطبية والمعاينات متوقفة. أعمل في التنظيف، أغسل كل شيء سجادات وكراسي ومواعين، مقابل أجر لا يتجاوز 20 دينارا [حوالي ثلاثة دولارات] لقاء 9 ساعات من العمل. لم أعد أحتمل الأوزان الثقيلة، لدي انزلاق غضروفي في ثلاث فقرات من الظهر. لدي آلام كثيرة في نصفي اليميني بسبب التعرض للضرب سابقا. لدي تنميل دائم في يدي اليمنى. آخذ حبوب الضغط وتمييع الدم باستمرار على كلفتي.
في ليبيا، تعرضت للسرقة في إحدى المرات من قبل أحد حراس البنايات عندما كنت أبحث عن سكن، أخذ أجرة يومي وهاتفي أمام أطفالي وزوجي. وفي إحدى المرات، اعترضت في آخر النهار على عدم دفع أجرتي، فدفعني صاحب البيت ووقعت على الأدراج.
وحتى زوجي كثيرا ما يعود إلى البيت بعد العمل دون أن يدفعوا له أجرة النهار. وفي نهاية 2024، تعرض زوجي للضرب داخل البيت من أحد المستأجرين، وهو ليبي، جراء مشكلة مياه في البناية، ولم نستطع إسعافه والطبيب الذي ذهبنا إليه حينها قال لنا ’ليس من واجبنا حمايتكم’ وبعد فتح قضية استمرت أكثر من عام، تم النطق ببراءة المعتدي. ابني الأكبر يعاني من التنمر بشكل مستمر لأنه يشبه تيكتوكر نيجيري مشهور. أينما ذهب عندما يرونه يجبروه أن يرقص أو يرقصوا أمامه. تعقّد الولد من هذا ولم يعد يخرج من البيت أبدا".


