تم النشر بتاريخ: ١٨ مايو ٢٠٢٦ 15:21:53
تم التحديث: ١٨ مايو ٢٠٢٦ 15:28:22

العطش يتمدد في ولاية الخرطوم

مواطنون
في عام الحرب الرابع تبدلت أولويات الخوف لدى سكان ولاية الخرطوم. لم يعد صوت المدفع هو ما يوقظهم فزعاً كل صباح، بل غياب أبسط مقومات الحياة: الماء. من أمبدة دار السلام غرباً، وأم درمان غرب الحارات ،إلى جبل أولياء جنوباً، تحولت رحلة البحث اليومي عن برميل ماء إلى معركة تنهك الأجساد وتستنزف الجيوب، في مفارقة قاسية لمدينة يحتضنها النيل الأبيض والأزرق ولا يصل من مائهما شيء إلى البيوت.

صرخة صارت تتردد "بنموت من العطش" على ألسنة أهالي أمبدة دار السلام وما جاورها، حيث يعيش الحي انقطاعاً شبه كامل لإمدادات المياه منذ أسابيع. لا ماء للشرب، ولا للغسيل، ولا لأي من ضروريات الحياة اليومية.

يخبر عماد الحاج من سكان مدينة امبدة، بأن العائلات التي عادت إلى بيوتها بعد هدوء نسبي في القتال وجدت نفسها أمام معركة جديدة أشد قسوة من أصوات الاشتباكات. الناس رجعوا على أمل أن يبدأوا من جديد وينفضوا غبار المعاناة، لكن كيف يقعدون ويعيشون من غير قطرة موية؟ ويضيف الحاج : "السوق الموازي ملأ الفراغ الذي تركته الدولة، فقفز سعر البرميل إلى 12 ألف جنيه سوداني، رقم يفوق قدرة أغلب الأسر في ظل انهيار القوة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية". وللمقارنة، رطل السكر وحده وصل إلى خمسة آلاف جنيه، فتختزل الأرقام حجم الأزمة المعيشية التي تضغط على المواطن من كل جهة وتجعل شراء الماء ترفاً لا يقدر عليه إلا القليل بحسب حديث الحاج.

المشهد لا يختلف كثيراً في جبل أولياء جنوب الخرطوم، حيث تشهد المدينة أزمة عطش حادة نتيجة انقطاع الإمدادات عن عدد من الأحياء. دفع ذلك سعر برميل المياه إلى عشرة آلاف جنيه في السوق الموازي وسط معاناة الأسر في توفير الاحتياجات الأساسية. وبحسب مواطنين فإن الأزمة دفعتهم للجوء إلى الشراء بأسعار مرهقة فاقمت أعباءهم المعيشية في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة. وعند التواصل مع الجهات المختصة، يقول أحد المواطنين بأن مدير مياه محلية جبل أولياء أوضح أن المحطة تعمل بصورة طبيعية ولا توجد أعطال فنية بها. وأرجع سبب الانقطاع إلى ضعف وتذبذب التيار الكهربائي المغذي للمحطة، مشيراً إلى أنها تعمل بأربع طلمبات وتحتاج لتيار مستقر لضمان الضخ. وأضاف أن المولد الاحتياطي وصل فعلياً، لكنه يحتاج إلى بعض الصيانة وتوفير حصة مباشرة من وقود الجاز لتشغيله فوراً.

لكن المواطن لا يملك ترف الانتظار. كل يوم تأخير يعني عطشاً أشد، ومرضاً محتملاً، ودفعاً لمبالغ لا تحتمل، بينما يظل الحل حبيس الوعود وتوفير الوقود.

ما يحدث في الخرطوم ليس مجرد عطل فني مؤقت يمكن إصلاحه بلمسة زر، بل نتيجة مباشرة لانهيار متسلسل في البنية التحتية. انقطاع الكهرباء المستمر شل محطات الضخ، وغياب الوقود عطل المولدات الاحتياطية، وانعدام الصيانة جعل الشبكات المهترئة تنهار تحت الضغط. النتيجة أن الحصول على الماء خرج من دائرة الخدمة العامة إلى دائرة المغامرة اليومية. حيث نساء وأطفال يقفون لساعات أمام نقاط التوزيع النادرة، وآخرون يلجأون للآبار الجوفية غير المعالجة، بينما يعجز آخرون تماماً عن الدفع فيضطرون لتقنين الشرب والغسيل لحد الخطر الصحي.

المشهد بلغ ذروته في أم درمان اليوم الاثنين ، حيث تم إخراج الطلاب من المدارس بسبب انقطاع المياه. مؤسسة تعليمية تغلق أبوابها لأن أبسط شروط بقاء الإنسان فيها غير متوفرة، فأي رسالة تصل للجيل القادم غير أن الدولة غائبة وأن التعليم يتوقف أمام برميل ماء.

الغضب الشعبي يتجه مباشرة نحو غياب التدخل العاجل. الرسائل التي يطلقها الأهالي لا تطلب معجزات، بل تطلب بديهيات لا تحتمل التأجيل. المسؤولية ليست قعدة في مكتب مكيف، بل هي موية تصل بيت المواطن، وعلاج يتوفر، وكهرباء تنوّر بيوت الناس. أهالي أمبدة يذكرون المسؤولين أن المدينة ما بعيدة، وأن حاجة الناس للمياه ما بتستحمل أي تأجيل، ولا بتنتظر تشكيل لجان أو عقد اجتماعات.

رغم أن لعودة إلى الخرطوم كانت قراراً شجاعاً للكثيرين بعد أشهر النزوح، لكنها تتحول الآن إلى محنة جديدة إذا لم تُعالج أزمة المياه فوراً. فالتناقض يضرب في الصميم ويكشف حجم المفارقة: كيف تعاني مدينة تقع على التقاء النيلين من العطش؟ الإجابة لا تكمن في غياب المصدر، فالنهر يجري أمام العيون، بل في غياب الإدارة والتشغيل والصيانة. الحرب دمرت ما تبقى من بنية تحتية متهالكة أصلاً، وانقطاع الكهرباء قطع شريان الحياة عن المحطات، فتحول النهر إلى منظر جميل لا يروي ظمأ أحد. بدون تشغيل المحطات لا قيمة للنهر، وبدون وقود لا تعمل المولدات، وبدون قرار عاجل يظل المواطن يدفع ثمن العجز من صحته وماله. أزمة العطش هنا ليست طبيعية، بل مصنوعة بفعل الإهمال وتوقف التشغيل.

يري حسان علي من سكان الحارة 72 أمدرمان بأن الحلول لا تحتاج اختراعاً ولا مؤتمرات مطولة. وبحسب حديثه فإن الخطوة الأولى والأكثر إلحاحاً هي توفير الوقود اللازم لتشغيل المولدات الاحتياطية لمحطات المياه، وصيانتها فوراً لضمان استقرار الضخ. أما الخطوة الثانية هي تثبيت الإمداد الكهربائي للمرافق الحيوية، حتى لو تطلب ذلك تخصيص خطوط طوارئ بعيداً عن القطوعات العامة. الخطوة الثالثة هي تدخل إنساني عاجل لتوزيع المياه بالصهاريج في الأحياء الأكثر تضرراً، بأسعار رمزية أو مجاناً، لكسر احتكار السوق الموازي الذي يستغل حاجة الناس. بدون هذه الإجراءات ستتحول أزمة العطش من معاناة يومية إلى كارثة صحية وإنسانية يصعب احتواؤها، خاصة مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة التي تجعل فقدان الماء يعني فقدان الحياة.

معرض الصور