تم التحديث: ١٧ مايو ٢٠٢٦ 19:06:22

مخاوف من عودة “الفصل للصالح العام” في السودان
الأصمعي باشري
أثار قرار وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية رقم (22) لسنة 2026م، الخاص بتشكيل لجنة لحصر العاملين بالحكومة الاتحادية، ووضع تصور لتقليص أعدادهم، موجة واسعة من الرفض وسط الأجسام النقابية والمهنية، التي اعتبرت الخطوة تمهيداً لعودة سياسات الفصل التعسفي، والإقصاء السياسي، التي ارتبطت بفترة “الصالح العام” عقب انقلاب يونيو 1989م.
القرار، الصادر عن وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية معتصم أحمد صالح، نصّ على تكوين لجنة فنية برئاسة وزير الدولة بوزارة المالية، وعضوية ستة آخرين من وزارتي المالية والموارد البشرية، وهيئات مرتبطة بالخدمة المدنية، من بينها جهاز تشغيل الخريجين، على أن تتولى اللجنة حصر العاملين بالدولة ممن هم دون سن المعاش، وتقديم تصور لتقليص أعداد العاملين ورفع توصيات بشأن كيفية تنفيذ ذلك.
ورغم خطورة القرار وتأثيره المباشر على آلاف العاملين، لم يتضمن أي حيثيات أو مبررات تفصيلية توضح فلسفة الخطوة أو أهدافها، الأمر الذي فتح الباب أمام تصاعد الانتقادات والتشكيك في دوافعه الحقيقية، خاصة في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية المعقدة التي تعيشها البلاد.
بيان "الجبهة النقابية لمناهضة قرار لجنة الحصر والفرز" وصف القرار بأنه “تصفية سياسية مقنّعة” تتم تحت غطاء إداري، مؤكدة أن الخطوة تعيد إنتاج ذات السياسات التي ثار عليها السودانيون، وتهدد الأمن الوظيفي ولقمة العيش لموظفي الدولة.
وقالت الجبهة، في بيان جماهيري صدر بتاريخ 15 مايو 2026م، إن القرار لا يتحدث عن إصلاح إداري حقيقي، ولا يطرح أي معايير للعدالة الوظيفية، كما أنه يتجاوز دور النقابات ويفتقر لأي رقابة نقابية أو مؤسسية. وأضاف البيان أن السلطات الممنوحة للجنة تسمح بتصنيف العاملين على أسس سياسية، في تكرار لما حدث خلال سنوات الفصل للصالح العام.
واعتبرت الجبهة أن “الوصفة القديمة” تعود مجدداً عبر مراحل تبدأ بالحصر ثم الفرز، وصولاً إلى “تجفيف مصادر العيش وكسر الخصوم عبر لقمة العيش”، مشيرة إلى أن القرار يستهدف العاملين غير المشمولين بالمعاش المبكر وفق شروط لم يتم الإعلان عنها أو توضيح الجهة التي وضعتها وأجازتها.
وأكدت الجبهة النقابية أن القرار يمثل “نكوصاً واضحاً عن شعارات الثورة”، وعودة صريحة لنهج التمكين والإقصاء الذي أطاحت به الثورة السودانية، معلنة رفضها الكامل للقرار، وداعية العاملين إلى تكوين لجان نقابية داخل المؤسسات، وتنسيق المواقف بين النقابات المهنية، وإطلاق حملة واسعة لمناهضة القرار عبر الوسائل القانونية والإعلامية والجماهيرية السلمية.
وفي السياق ذاته، أعلنت لجنة المعلمين السودانيين رفضها القاطع للقرار الوزاري، معتبرة أنه امتداد مباشر لسياسات التشريد والفصل التعسفي التي مارستها الحركة الإسلامية عقب انقلاب 1989م، حين جرى، بحسب البيان، “تدمير الخدمة المدنية وإقصاء آلاف العاملين تحت ذرائع إدارية وسياسية تمهيداً لتمكين كوادر النظام”.
وقالت اللجنة، في بيان صدر بتاريخ 16 مايو 2026م، إن القرار يأتي هذه المرة في ظل السلطة التي تشكلت عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021م، وفي أجواء الحرب المستمرة منذ أبريل 2023م، متهمة القوى المتحالفة مع السلطة بالمشاركة في إعادة إنتاج التمكين وتقاسم مؤسسات الدولة ومواقع النفوذ.
ورأت لجنة المعلمين أن تشكيل لجنة لتقليص العاملين في ظل غياب سلطة مدنية منتخبة ومؤسسات دستورية شرعية، يكشف أن الهدف الحقيقي للقرار ليس الإصلاح الإداري، وإنما “فتح الطريق أمام مزيد من الإحلال والتمكين السياسي”، إلى جانب استخدام الوظائف العامة كأداة لإقصاء الخصوم وإسكات الأصوات المطالبة بالإصلاح.
وأضاف البيان أن القرار يأتي في وقت يعيش فيه العاملون أوضاعاً اقتصادية وإنسانية بالغة الصعوبة بسبب الحرب والانهيار الاقتصادي وتدهور الأجور، معتبرة أن استهداف الوظائف في هذه الظروف يمثل “جريمة اجتماعية وسياسية مكتملة الأركان”.
وأكدت اللجنة تمسكها بحق العاملين في الأمن الوظيفي، ورفضها لاستخدام الحرب والأزمة الاقتصادية كغطاء لتصفية الخدمة المدنية، داعية إلى وحدة العاملين والنقابات والأجسام المطلبية للتصدي لما وصفته بمحاولات “التشريد والتمكين الجديدة”.
من جانبه، قال خبير قانون العمل عثمان الطاهر لـ "مواطنون" إن إشراك جهاز تشغيل الخريجين ضمن اللجنة يثير تساؤلات واسعة حول الأهداف الفعلية للقرار، موضحاً أن ذلك قد يشير إلى توجه حكومي لإيجاد صيغة قانونية تبرر استمرار عدم استيعاب الخريجين في مؤسسات الدولة، أو تأجيل فرص توظيفهم لفترات طويلة، وهي سياسة ظلت مطبقة بصورة غير معلنة منذ انقلاب 2021م، بحسب وصفه.
وأضاف الطاهر أن أي عملية لإعادة هيكلة الخدمة المدنية يفترض أن تقوم على دراسات معلنة، ومعايير مهنية شفافة، وضمانات قانونية تحمي العاملين من الفصل التعسفي، إلى جانب إشراك النقابات والجهات المختصة في صياغة السياسات المتعلقة بمصير الموظفين.
ويأتي الجدل حول القرار في ظل أوضاع اقتصادية وأمنية شديدة التعقيد، حيث تعاني مؤسسات الدولة من آثار الحرب والانهيار المالي، بينما يواجه العاملون أوضاعاً معيشية قاسية نتيجة ضعف الرواتب وارتفاع معدلات التضخم وانعدام الاستقرار الوظيفي.
وبينما تصر الجهات الرافضة للقرار على أنه يمثل عودة لسياسات الإقصاء والتمكين السياسي، لم تصدر حتى الآن توضيحات رسمية تفصيلية من الوزارة بشأن الأسس التي ستعتمدها اللجنة أو الضمانات القانونية التي تكفل حماية العاملين من الفصل أو الاستبعاد.

