تم التحديث: ١٣ مايو ٢٠٢٦ 13:40:18

السودانيون يتمسكون بالأرض كرافعة للسلام والعدالة
الأصمعي باشري
شكّل إعلان المنظمة الدولية للهجرة عن عودة نحو 4.1 مليون سوداني إلى مناطقهم الأصلية، رغم استمرار الحرب والتدهور المريع في الخدمات الأساسية في عدد من الولايات، لحظة تكشف عن عمق العلاقة بين الإنسان السوداني وأرضه.
العودة التي تحدث الآن لا يمكن تفسيرها بمنطق حسابات الربح والخسارة المادية وحدها، لأن العقل البسيط يرى أن الفرار من الخطر إلى الأمان أولى. لكن الواقع الميداني يقول إن السوداني يرى في بقائه على أرضه، حتى وهي تحترق، فعل بقاء وجودي يتجاوز مسألة توفير الطعام والدواء.
دوافع هذه العودة متشابكة، وتتحرك بين النفسي والمادي والاجتماعي. فمن الناحية النفسية تمثل الأرض في الوعي السوداني امتداداً للذات وللتاريخ العائلي والقبلي، فهي ليست عقاراً قابلاً للبيع والشراء فقط، بل هي المقابر التي دفن فيها الآباء والأجداد، والنخلة التي زرعها الجد، والمسجد الذي اجتمع فيه الحي لعقود. لذلك يشعر كثير من النازحين بأن الغربة في المدن الآمنة أقسى من صوت المدافع، لأنها تعني انقطاعاً عن الذاكرة وعن شبكة العلاقات التي تعطي للحياة معناها.
أما من الناحية المادية، فقد استنزفت سنوات النزوح موارد الأسر. فالمخيمات مكتظة والمساعدات تتراجع والإيجارات في المدن المستقرة ارتفعت إلى مستويات لا تطاق. فيصبح الأمل الضئيل في ترميم بيت مهدم أفضل من اليقين بالعيش هامشاً على أطراف مدينة غريبة.
يضاف إلى ذلك عامل الموسم الزراعي الذي لا ينتظر. ففي ولايات الجزيرة والنيل الأبيض وشمال كردفان يرتبط وجود الإنسان بالأرض التي يحرثها. وفوات موسمين زراعيين يعني انهياراً اقتصادياً لأسرة ممتدة لسنوات قادمة، فيفضل المزارع العودة ليحرث أرضه حتى تحت خطر القصف على أن يفقدها نهائياً.

هذا التمسك بالأرض يستند إلى ثوابت راسخة في البنية السودانية، فمن الناحية القانونية والعرفية يقوم نظام الحيازة على وضع اليد والشهادة المجتمعية أكثر من اعتماده على السجل العقاري الحديث. ومغادرة الأرض لسنوات طويلة تعني عملياً فتح الباب أمام التعدي عليها أو تغيير طبيعتها القانونية. بالتالي فإن العودة هي حماية لحق متراكم وليست مجرد نزعة عاطفية.
من الناحية الاجتماعية تمثل القرية أو الفريق وحدة التضامن الأولى التي تعمل من خلالها شبكات التكافل والنفير والديّة، فمن يترك مكانه يخرج من دائرة الحماية هذه ويصبح فرداً معزولاً في مواجهة قسوة الحياة. لذلك تعني العودة إعادة تفعيل شبكة الأمان الاجتماعي التي لا توفرها المخيمات مهما كانت منظمة.
من الناحية القيمية فإن الخطاب الشعبي السوداني محمّل بعبارات مثل "الموت في البلد سترة" و"الغربة كربة"، وهي ليست أمثالاً عابرة بل تعبير عن أولوية الكرامة على الراحة، فالمواطن يقبل بالمخاطرة إذا كان على أرضه ويرفض الذل حتى لو كان في أمان.
السؤال المهم هو هل يتحول هذا التمسك إلى قوة دافعة لفرض حلول السلام والعدالة؟ والإجابة أن ذلك ممكن لكنه ليس تلقائياً، فعودة مئات الآلاف إلى مناطقهم تعيد خلط المعادلة الديموغرافية وتفرض واقعاً جديداً على الأرض لا يمكن لأي تسوية سياسية تجاوزه.
فعندما يعود الناس ويعيدون بناء المدارس والأسواق بأيديهم فإنهم يوجهون رسالة واضحة للأطراف المتحاربة بأن هذه الأرض لها أصحاب وليست ورقة تفاوض. هذا الضغط من الأسفل يحول العودة من أزمة إنسانية سلبية إلى مشروع إعادة إعمار فاعل، كما وصفتها المنظمة الدولية للهجرة بأنها "بارقة أمل". لأن السوداني العائد لا يكتفي بطلب المساعدة بل يطالب بالأمن والماء والعدالة على الجرائم التي أخرجته من داره، وهذا يرفع سقف التفاوض ويجعل من المستحيل الحديث عن سلام دون معالجة قضايا الأرض المنهوبة والتعويض والمحاسبة، لأن العائدين سيعيدون فتح هذه الملفات عملياً على الأرض.
لكن هذا المسار يحمل مخاطره أيضاً، فإذا لم تقابل هذه العودة بدعم دولي ومحلي لحماية المدنيين وإعادة الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وصحة وتعليم، فقد تتحول إلى كارثة إنسانية ثانية ويصبح التمسك بالأرض تمسكاً بالموت فيفقد معناه الأخلاقي والسياسي.
في المحصلة يمكن القول إن ما يحدث هو فعل سيادي شعبي يقول إن الدولة قد تفشل والحرب قد تطول لكن الحق في الأرض والسكن وسبل العيش لا يسقط بالتقادم ولا بالقوة. والتمسك بهذا الحق وحده لا يصنع السلام لكنه يفرض على أي عملية سياسية قادمة أن تكون جادة في معالجة جذور النزاع من توزيع الثروة والحكم المحلي والعدالة الانتقالية. فالسلام الذي لا يضمن عودة آمنة وكريمة لمن غادروا هو هدنة مؤقتة، والعدالة التي لا تسترد للناس حقهم في السكن هي عدالة ناقصة.
السودانيون العائدون يضعون الجميع أمام اختبار بسيط وواضح: هل سيتعامل المجتمع الدولي والفاعلون المحليون معهم كأرقام في تقرير نزوح أم كأصحاب حق يجب أن تبنى التسوية على مطالبهم، والإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت هذه العودة ستتحول إلى بداية لإعادة بناء البلاد على أسس جديدة، أم ستظل حلقة أخرى في مسلسل التهجير والأزمة الممتدة.


