تم النشر بتاريخ: ١٠ مايو ٢٠٢٦ 12:50:36
تم التحديث: ١٠ مايو ٢٠٢٦ 12:52:59

ولاية نهر النيل.. نمو في قطاع الطاقة البديلة

مواطنون ـ الأصمعي باشري
يشهد قطاع الطاقة الشمسية في ولاية نهر النيل، خصوصًا في مدينة عطبرة، نموًا متسارعًا خلال العامين الأخيرين، مدفوعًا بانهيار أجزاء واسعة من البنية التحتية للكهرباء بسبب الحرب، وتكرار استهداف المحطات التحويلية بالطائرات المسيّرة، الأمر الذي أدخل مناطق واسعة في حالة عجز كهربائي مزمن. هذا الواقع دفع المواطنين والمزارعين والتجار إلى البحث عن بدائل مستقرة، فبرزت الطاقة الشمسية باعتبارها الخيار الأكثر عملية، خاصة في منطقة تتمتع بساعات سطوع شمسي مرتفعة طوال العام.

مدينة عطبرة تحديدًا تحولت إلى مركز تجاري مهم لمعدات الطاقة الشمسية، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي الرابط بين شمال وشرق السودان، بل أيضًا لوجود حركة تجارية نشطة ومشروعات زراعية واسعة تعتمد على الري والطلمبات الكهربائية. وقد أصبح الطلب الأكبر يتركز في محورين: الاستخدامات الزراعية لتشغيل الطلمبات والمحاور، والاستخدامات المنزلية لتغطية الإنارة والتبريد وتشغيل الأجهزة الأساسية.

أما من ناحية الأسعار، فقد ارتفعت بصورة ملحوظة خلال 2025 نتيجة زيادة الطلب وصعوبات الاستيراد وتقلبات سعر الصرف. وتشير تقارير السوق السودانية إلى أن أسعار الألواح الشمسية تتراوح بين 85 ألف جنيه سوداني للوح 100 واط، وتصل إلى نحو 200 ألف جنيه للوح 550 واط، وهو الأكثر طلبًا حاليًا. كما بلغ سعر بطارية 200 أمبير نحو 530 ألف جنيه، بينما تتراوح أسعار المحولات “الإنفرترات” بين 130 ألف جنيه للموديلات الصغيرة و630 ألف جنيه للأنظمة الهجينة الأكبر قدرة.

وفي عطبرة أيضاً ظهرت منظومات متكاملة موجهة للمنازل والمزارع الصغيرة، تتكون عادة من أربعة ألواح بقدرة 555 واط مع بطاريتين 200 أمبير ومحول هجين، وتباع بحوالي 4.2 إلى 4.4 مليون جنيه سوداني، مع قدرة تشغيلية تكفي للثلاجات والمراوح والإنارة وبعض أجهزة التبريد، بحسب مختص في مجال الطاقة الشمسية .

ورغم أن هذه الأسعار تبدو مرتفعة بالنسبة لغالبية المواطنين، فإن كثيرين باتوا ينظرون إليها كاستثمار طويل الأجل وليس مجرد سلعة استهلاكية. فالمزارع الذي يعتمد على الري بالطاقة الشمسية يتجنب تكلفة الوقود وندرة الجازولين، كما أن الأسرة التي تركب منظومة منزلية تتخلص نسبيًا من معاناة الانقطاع المتكرر للكهرباء. ولهذا فإن فكرة “الجدوى” أصبحت تُقاس بمقدار الاستقرار الذي توفره المنظومة أكثر من سعرها المباشر.

لكن السؤال الأكثر إثارة للجدل يتعلق بالرسوم الجمركية والإعفاءات الحكومية. فخلال السنوات الماضية أعلنت السلطات أكثر من مرة عن إعفاءات لتشجيع الطاقة النظيفة ودعم القطاع الزراعي، غير أن الموردين والتجار يؤكدون أن الرسوم عادت بصورة غير مباشرة عبر الجمارك والضرائب والرسوم الإدارية المختلفة، ما أدى إلى ارتفاع التكلفة النهائية على المستهلك. وأخبر عادل الطاهر تاجر بسوق عطبرة (مواطنون) أن بعض الرسوم تضاعف تكلفة المعدات تقريبًا، رغم الحديث الرسمي عن تشجيع الطاقة المتجددة.

وفي المقابل، ظهرت مؤخرًا مؤشرات على اتجاه حكومي جديد نحو إعفاء مدخلات الطاقة الشمسية، خاصة للمشروعات الزراعية، بهدف تقليل الضغط على الشبكة الكهربائية وتحفيز الإنتاج الزراعي. غير أن المشكلة الأساسية ليست فقط في صدور قرارات الإعفاء، بل في استقرار السياسات وتطبيقها بصورة واضحة في الموانئ والمعابر الجمركية، لأن التغير المستمر في الرسوم يجعل السوق مضطربًا ويزيد من المضاربات.

أما مستقبل الطاقة الشمسية في السودان عمومًا، وفي نهر النيل خصوصًا، فيبدو واعدًا رغم التحديات. فالحرب نفسها دفعت المجتمع إلى إعادة التفكير في مفهوم الاعتماد الكامل على الشبكة القومية، وأصبح الاتجاه نحو “الطاقة اللامركزية” واقعًا لا يمكن التراجع عنه بسهولة. كما أن ارتفاع تكلفة الوقود التقليدي، وتراجع قدرة الدولة على إعادة تأهيل الشبكات بسرعة، سيجعلان الطاقة الشمسية أكثر انتشارًا خلال السنوات المقبلة.

وتقول المهندسة إيمان الطيب إن هذا المستقبل يعتمد على عدة عوامل أساسية: أولها استقرار سعر الصرف وتسهيل الاستيراد، وثانيها وجود تمويل مصرفي أو أقساط ميسرة تسمح للأسر والمزارعين بالحصول على المنظومات دون دفع مبالغ ضخمة دفعة واحدة. وثالثها تطوير خدمات الصيانة والتدريب المحلي، لأن كثيرًا من الأنظمة الحالية تُركب دون معايير فنية دقيقة، مما يؤدي إلى أعطال مبكرة وخسائر للمستهلكين.

يُتوقع خبراء اقتصاديين أن تتوسع السوق مستقبلاً من مجرد بيع ألواح وبطاريات إلى صناعة خدمات كاملة تشمل التصميم والتركيب والتخزين الذكي للطاقة، وربما إنشاء محطات شمسية صغيرة تخدم الأحياء والمشروعات الزراعية جماعيًا. وفي حال استمرت أزمة الكهرباء بالشكل الحالي، فإن الطاقة الشمسية قد تتحول من خيار بديل إلى المصدر الرئيسي للطاقة في قطاعات واسعة من السودان.

باختصار، فإن ما يحدث اليوم في عطبرة ونهر النيل ليس مجرد نشاط تجاري عابر، بل تحول اقتصادي واجتماعي فرضته ظروف الحرب وضعف الدولة. فالطاقة الشمسية أصبحت تمثل بالنسبة لكثير من السودانيين وسيلة للبقاء واستمرار الحياة والإنتاج، لا مجرد رفاهية تقنية. ورغم ارتفاع التكلفة والعقبات الجمركية، فإن الاتجاه العام يشير إلى أن الطلب سيواصل الارتفاع، وأن هذه الصناعة مرشحة لتكون من أكبر الأسواق نموًا في السودان خلال السنوات المقبلة.

معرض الصور