تم التحديث: ٩ مايو ٢٠٢٦ 10:49:05

متطوعة في الهلال الأحمر تروي تجربتها في مدينة الفاشر
وكالة أنباء شينخوا
على مدى سبعة عشر شهرًا تقريبًا، عاش سكان الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور السودانية، تحت حصار مميت. حصدت الهجمات المتواصلة أرواحًا كثيرة، ودفعت الآلاف إلى براثن الجوع والخوف والنزوح. وبلغت المأساة ذروتها بهجوم عسكري حوّل معظم المدينة إلى ركام.
ومع ذلك، وقف متطوعو جمعية الهلال الأحمر السوداني على الخطوط الأمامية، مخاطرين بحياتهم لمساعدة المدنيين العالقين في أتون الحرب.
اسمي إيمان صالح، عمري 34 عامًا. لسنوات، تطوعت مع جمعية الهلال الأحمر السوداني في الفاشر، المدينة التي ولدت ونشأت فيها، قبل أن تغير الحرب وجهها وتسلبها كل شعور بالأمان.
بقيتُ في الفاشر مع زملائي طوال فترة الحصار والقصف، حتى سقطت المدينة في يد قوات الدعم السريع شبه العسكرية في أكتوبر 2025. حينها، أصبح البقاء على قيد الحياة صراعًا يوميًا.
لم أتخيل يومًا أن الشوارع التي أعرفها ستمتلئ بالخوف والدخان والركام، أو أن العمل الإنساني سيتحول إلى سباق دائم مع الموت. بعد أن اشتد الحصار في مايو 2024، أصبحت كل جوانب الحياة حالة طوارئ. عشنا بين صفارات الإنذار والقصف وصيحات الاستغاثة التي لا تنتهي.
كل صباح، كنت أرتدي شعار الهلال الأحمر الصومالي، وأحمل حقيبة إسعافات أولية صغيرة، وأحاول أن أؤمن بأننا ما زلنا قادرين على إنقاذ بصيص من الإنسانية وسط هذا الدمار.
في البداية، كنا نعالج الجرحى وننقل المرضى من الأحياء الخطرة إلى المراكز الصحية القليلة التي لا تزال تعمل. لكن مع مرور الوقت، لم تعد الفاشر مدينة طبيعية. قُصفت المنازل، وانقطعت المياه لأيام، ونام الناس على دوي المدفعية.
لن أنسى أبدًا اليوم الذي استجبنا فيه لغارة جوية بطائرة مسيرة. كانت المنازل قد دُمِّرت بالكامل تقريبًا. غطى الغبار المنطقة كضباب كثيف. كانت أم تصرخ مناديةً طفلها الوحيد، المحاصر تحت الأنقاض.

بحثنا بين الحجارة المتناثرة والخشب المحترق حتى سمعنا صوتًا خافتًا. ركعتُ وبدأتُ أزيل الأنقاض بيديّ العاريتين، لأننا لم نكن نملك معدات إنقاذ مناسبة. بعد دقائق طويلة، ظهر وجه صبي صغير تحت السقف المنهار، مغطى بالغبار والدم. كانت عيناه تحملان خوفًا لا ينبغي لطفل أن يعرفه.
أمسكتُ بيده وقلتُ له: "لا تخف... سنُخرجك".
كان الصبي، الذي يبلغ من العمر حوالي ست سنوات، يرتجف بصمت بينما كانت أمه تبكي بالقرب منه.
عندما تمكنّا أخيرًا من إخراجه، تشبث بيدي بقوة، وكأنه يخشى أن يبتلعه الركام مرة أخرى. في تلك اللحظة، أدركتُ أن النجاة لا تقتصر على إنقاذ الجسد فحسب، بل تشمل أيضًا إنقاذ الروح من الخوف.
خلال الحرب، كنا نعمل غالبًا تحت نيران العدو. في إحدى الليالي، سقطت قذائف بالقرب من سوق مزدحم. انقلبت الشوارع إلى فوضى عارمة، امتلأت بالدماء والصراخ. لم يكن لدينا سوى نقالات بسيطة وبعض الضمادات، ومع ذلك كان العشرات من الجرحى. ضغطتُ بيدي على جرح شاب ينزف بغزارة بينما كان متطوع آخر يحاول إنعاش طفل فاقد للوعي.
في مثل هذه اللحظات، لا يفكر الناس في الخوف، بل كل ما يشغلهم هو إبقاء الجرحى على قيد الحياة لبضع دقائق أخرى. أحيانًا كنا نحمل المصابين سيرًا على الأقدام لأن سيارات الإسعاف لم تكن تصل إليهم.
رأيتُ متطوعين ينهارون من الإرهاق. رأيتُ أمهاتٍ يضعن أطفالهنّ بين أيدينا وكأننا أملهنّ الأخير.
بحثنا أيضًا عن المفقودين.
أتذكر طفلةً صغيرةً وجدناها تبكي قرب مركز إيواء. لم تكن تعرف سوى اسم أمها. مكثت معنا يومين، تنام وهي تتمسك بقطعة قماش صغيرة قالت إنها لأمها.
بعد البحث في مراكز الإيواء والمستشفيات، وجدنا أمها أخيرًا. ركضت الطفلة نحوها وهي تبكي. سقطت أمها على ركبتيها وعانقتها وكأنها استعادت الدنيا وما فيها. بكينا جميعًا، لأن الحرب تحوّل مثل هذه اللقاءات إلى معجزات.
بينما كنتُ أحاول إنقاذ الآخرين، كانت عائلتي تعيش المأساة نفسها. قُصف منزلنا بالقصف. فقدت أختي أحد أبنائها في القتال.
بعد سقوط المدينة في أكتوبر 2025، أصبح البقاء مستحيلاً. هربتُ مع عائلتي وآلاف المدنيين الآخرين نحو بلدة الطويلة. كان مغادرة الفاشر بمثابة ترك جزء كبير من حياتي.
سرنا لأيام في خوف وجوع وعطش. كانت الطرق مكتظة بالنازحين يحملون ما تبقى من ثرواتهم على ظهورهم.
لاحقًا، وبعد رحلة مرهقة أخرى، وصلتُ إلى مدينة الضبعة شمال السودان. عندما أعطيتُ اسمي للمتطوع المسؤول عن تسجيل العائلات النازحة، شعرتُ وكأنني أوقع على تنازل عن مدينة بأكملها، لا مجرد مغادرة منزل.
حينها أدركتُ أنني لم أعد مجرد متطوعة تجري في الفاشر لإنقاذ الآخرين، بل أصبحتُ واحدة من أولئك الذين يبحثون عن مأوى وبداية جديدة.
مع أنني كنتُ نازحة وأعيش في خيمة، انضممتُ إلى الفرع المحلي للهلال الأحمر السوداني وعدتُ للعمل. اليوم، أساعد في تقديم الإسعافات الأولية والدعم النفسي والمساعدة في لمّ شمل العائلات المشتتة.
أحيانًا، عندما أنظر إلى الأطفال هنا، أرى أطفال الفاشر. وعندما أسمع بكاء الأمهات، أتذكر الليالي الطويلة التي قضيناها تحت القصف.
اليوم، في اليوم العالمي للصليب الأحمر والهلال الأحمر، أتذكر جميع المتطوعين الذين خاطروا بحياتهم لعلاج الجرحى، وتهدئة الأطفال المذعورين، ولم شمل الأمهات بأطفالهن.
لقد علمتني الحرب أن العمل الإنساني ليس مجرد واجب، بل هو محاولة يومية لحماية ما تبقى من إنسانيتنا. لقد فقدت مدينتي، والعديد من أحبائي. لكنني ما زلت أؤمن أن الرحمة أقوى من الحرب، وأن أولئك الذين يمدون يد العون لإنقاذ الآخرين هم النور الأخير في هذا الظلام الدامس.
من داخل خيمتي الصغيرة في الضبعة، ما زلت أحلم بالعودة إلى الفاشر يومًا ما، لا لأتذكر الحرب، بل لأرى المدينة تنهض من جديد: مدينة للحياة بدلًا من الخوف، وللأمل بدلًا من الرماد.


