تم النشر بتاريخ: ٧ مايو ٢٠٢٦ 13:57:34
تم التحديث: ٧ مايو ٢٠٢٦ 13:59:56

مساع مسعد بولس.. هل توقف الدعم الخارجي لحرب السودان

الأصمعي باشري
عقب استهداف مطار الخرطوم بالطيران المسير في بحر الإسبوع الجاري؛ قال كبير مستشاري ترمب للشؤون العربية والإفريقية: يجب وقف الدعم الخارجي لأي من طرفي النزاع في السودان فورا.وتأتي تصريحات بولس ضمن ادانات اقليمية ودولية واسعة .

لقد كثر الحديث حول اطالة أمد الحرب بسبب الدعم الخارجي العسكري واللوجستي لإطراف النزاع ، فمنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، لم يعد النزاع مجرد صراع داخلي على السلطة، بل تحوّل إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي مفتوحة، حيث تلعب أطراف خارجية أدواراً متفاوتة في دعم طرفي الحرب سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. وفي ضوء التصريحات المنسوبة إلى دونالد ترامب أو مستشارين مقربين منه حول ضرورة وقف الدعم الخارجي فوراً، تبرز أهمية تحليل طبيعة هذا الدعم، الجهات التي تقف وراءه، وإمكانية وقفه عملياً.

تشير تقديرات متعددة إلى أن الجيش السوداني يتلقى دعماً سياسياً وعسكرياً من دول إقليمية على رأسها مصر التي تنظر إلى استقرار السودان كجزء من أمنها القومي، إلى جانب دعم سياسي من السعودية في إطار الحفاظ على مؤسسات الدولة، فضلاً عن علاقات مع قوى إقليمية أخرى تسعى إلى موازنة النفوذ في منطقة البحر الأحمر. في المقابل، تواجه قوات الدعم السريع اتهامات بتلقي دعم من الإمارات العربية المتحدة، وهو أمر تنفيه أبوظبي رسمياً، إضافة إلى اعتمادها على شبكات تهريب السلاح في منطقة الساحل والصحراء، والاستفادة من موارد محلية مثل الذهب لتمويل عملياتها، فضلاً عن تقارير تتحدث عن وجود مقاتلين أجانب ومرتزقة.

يتخذ هذا الدعم أشكالاً متعددة، أبرزها الدعم العسكري المباشر عبر تزويد الطرفين بالأسلحة والذخائر، بما في ذلك تقنيات حديثة مثل الطائرات المسيّرة، إلى جانب التدريب العسكري وتبادل الخبرات. كما يشمل الدعم المالي تمويل العمليات القتالية، سواء عبر قنوات رسمية أو شبكات اقتصادية غير رسمية، خاصة تلك المرتبطة بتجارة الموارد الطبيعية. أما الدعم السياسي والدبلوماسي، فيتمثل في توفير غطاء دولي أو إقليمي لأحد الطرفين، والتأثير على مسارات التفاوض، بينما يظهر الدعم اللوجستي والإعلامي في تسهيل الإمدادات وتوجيه الرأي العام.

إمكانية وقف هذا الدعم تعتمد على جملة من الآليات الدولية، لكنها تصطدم بتعقيدات سياسية كبيرة. من بين هذه الآليات فرض عقوبات اقتصادية على الأفراد والكيانات المرتبطة بالحرب، بما في ذلك تجميد الأصول وحظر السفر، وهو ما بدأت به بعض الجهات الدولية بالفعل، إلا أن تأثيره يظل محدوداً ما لم يمتد ليشمل الدول الداعمة نفسها. كذلك يمكن تفعيل حظر توريد السلاح، وهو قائم جزئياً في إقليم دارفور، لكنه يعاني من ضعف التنفيذ وكثرة الانتهاكات. كما تلعب الجهود الدبلوماسية دوراً مهماً، سواء عبر الأمم المتحدة أو الاتحاد الإفريقي، إضافة إلى مبادرات إقليمية تسعى لفرض وقف إطلاق النار، لكنها غالباً ما تتعثر بسبب تضارب المصالح بين الأطراف الراعية نفسها. ومن الأدوات المهمة أيضاً تتبع سلاسل الإمداد، خاصة تجارة السلاح والذهب، وفرض رقابة على الشركات والوسطاء الذين يسهلون تدفق الدعم.

مع ذلك، تواجه هذه الجهود تحديات كبيرة، في مقدمتها تضارب المصالح الإقليمية، حيث تنظر الدول المتدخلة إلى النزاع من زاوية النفوذ الجيوسياسي والسيطرة على الموارد والممرات الاستراتيجية، وليس فقط من زاوية إنسانية. كما أن الإرادة الدولية تبدو منقسمة؛ فبينما يوجد إجماع نظري على ضرورة وقف الحرب، لا يترجم ذلك إلى خطوات عملية حاسمة. يضاف إلى ذلك أن جزءاً كبيراً من الدعم يتم عبر قنوات غير رسمية يصعب تتبعها أو السيطرة عليها، مثل شبكات التهريب والشركات الخاصة. والأهم من ذلك أن طرفي النزاع نفسيهما لا يزالان يراهنان على الحسم العسكري، ما يقلل من استعدادهما للقبول بوقف الدعم أو الانخراط الجاد في تسوية سياسية.

في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن الدعوات لوقف الدعم الخارجي تعكس إدراكاً متزايداً بأن الحرب في السودان أصبحت حرباً بالوكالة، لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب توافقاً دولياً حقيقياً يتجاوز البيانات السياسية إلى إجراءات ملموسة، تشمل الضغط على الدول الداعمة، وتفعيل آليات رقابة صارمة، وربط أي علاقات سياسية أو اقتصادية بمدى الالتزام بوقف التدخل. وحتى تتوفر هذه الإرادة، سيظل النزاع مفتوحاً، تغذيه حسابات الداخل وتدعمه توازنات الخارج، ما يطيل أمد الأزمة ويعمق معاناة الشعب السوداني.

معرض الصور