تم التحديث: ١٦ أبريل ٢٠٢٦ 09:22:53

لماذا يجب أن يقود الضحايا مسيرة السلام في السودان؟
إيلاريا مارتوريلي
المصدر: ictj.org
مع حلول الذكرى السنوية الثالثة للحرب الوحشية في السودان، قد لا تُلاحظ هذه الحرب وسط سلسلة الأزمات العالمية المقلقة، التي تحمل كل منها عبئًا من المعاناة الإنسانية. سواء كنت بعيدًا عن الصراع السوداني أو قريبًا منه، وسواء كنت تعرف عنه القليل أو الكثير، فهذه لحظة مناسبة للابتعاد قليلًا عن الأخبار المتواصلة - ولو لفترة وجيزة - والتأمل في حرب نادرًا ما تحظى بالاهتمام الإعلامي الذي تستحقه. إنه وقت للتفكير في ملايين السودانيين العالقين في دوامات العنف، والعديد منهم الذين يسعون جاهدين لتحقيق العدالة رغم كل الصعاب.
لقد أصبحت الحرب في السودان منسية. فعلى الرغم من حجمها الهائل وتأثيرها المدمر، لا يحظى الصراع إلا باهتمام عالمي ضئيل. يُعد السودان أسوأ أزمة إنسانية وصحية ونزوح في العالم. منذ 15 أبريل 2023، أسفرت المعارك الدائرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع عن مقتل مئات الآلاف من الأشخاص وتشريد أكثر من 14 مليون آخرين داخل السودان وخارجه. وتتوالى التقارير التي تزعم وقوع إبادة جماعية وتطهير عرقي. وقد أُعلن عن مجاعة في مناطق عديدة، ويواجه 21 مليون سوداني انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، في حين أن النظام الصحي مُنهار. ويُستخدم العنف الجنسي كسلاح إرهابي في جميع أنحاء السودان، ويستهدف في الغالب النساء والفتيات.
إن الحرب في السودان متكررة. فالفظائع التي تُرتكب في السودان اليوم هي جزء من نمط أوسع وأكثر تكراراً من العنف الذي يستهدف السكان المحليين عمداً. ويُثبت هذا التكرار المروع أن الأسباب الجذرية للعنف والظلم ظلت على حالها لعقود، ولم تُعالج بشكل حقيقي خلال عمليات السلام السابقة.
إن الحرب في السودان ليست حرباً محلية. فالعديد من الدول في المنطقة وخارجها تُؤجج العنف، مما يزيد من تقويض الاستقرار في منطقة هشة أصلاً من العالم.
إنها حرب تُديم الإقصاء. فشلت محادثات السلام السابقة لأنها استبعدت الضحايا، وفرضت سلامًا قائمًا على مساومة النخب، وتجاهلت الحاجة المُلحة للمساءلة، وتقصي الحقيقة، وإجراء إصلاحات مؤسسية جذرية، وتقديم التعويضات.
إنها حربٌ تتسم بتغير القيم والتحالفات، مما يُصعّب بناء الثقة وأسس السلام. إن تجاهل هذه الحقيقة يُعرّض المفاوضات لخطر وضع الأطراف غير المناسبة على طاولة المفاوضات، واستبعاد من يُمثلون ويُصغون إلى المجتمعات الأوسع نطاقًا، ويخدمونها خارج دوائرهم الضيقة، وهم الملتزمون بالعدالة والديمقراطية لجميع المواطنين.
إنها أزمة أطفال. السودانيون اليوم، الذين يتعرضون للهجوم أو يُجبرون على القتال، أو الذين عانوا من ويلات عقودٍ من العنف، لا يعرفون معنى السلام. ونتيجةً لذلك، يُكررون أنماط العنف القديمة. أمضى ملايين الأطفال السنوات الثلاث الماضية من حياتهم في حالة صدمة نفسية عميقة، مُهجّرين من ديارهم، أو مُصابين، أو مُنفصلين عن عائلاتهم. ويُقدّر عدد الأطفال المُتسربين من المدارس حاليًا بنحو ثمانية ملايين. يُهدد هذا الحرمان من التعليم على نطاق واسع جيلًا بأكمله، وقد يُقوّض تعافي السودان لعقودٍ قادمة، كما حدث مع آبائهم وأجدادهم.
ومن المُفارقات، أن هذه الحرب تحمل في طياتها بصيص أمل. فعلى الرغم من الاحتياجات الإنسانية الهائلة، ظلّ الضحايا والمجتمع المدني ثابتين في المطالبة بالمساءلة، واضعين العدالة الانتقالية في صميم نضالهم. إنهم يرونها ضرورية لكسر دوامات العنف. رسالتهم واضحة: لن يُضحّوا بالعدالة من أجل إغاثة قصيرة الأجل. ومن خلال عملنا معهم لسنوات، لمسنا في المركز الدولي للعدالة الانتقالية تصميمهم على بناء سودان أكثر عدلًا وشمولًا، وعلى تطوير المهارات اللازمة لتحقيق ذلك. لهذا السبب، فهم على أتم الاستعداد للمشاركة الفعّالة في مفاوضات السلام. وتُعدّ مساهمتهم أساسية لضمان مصداقية وشرعية اتفاقيات السلام وتدابير العدالة الانتقالية لسنوات قادمة.
إن خطورة الوضع في السودان تستدعي مسؤولية جماعية. وهذا يعني عدم تهميش الضحايا باعتبارهم مجرد متلقين للمساعدات، بل الاعتراف بهم كفاعلين سياسيين. كما يتطلب الأمر إشراك من يمثلون بصدق المجتمعات المتنوعة والمهمشة، ووضع العدالة في صميم أي مسار نحو السلام. لقد حان الوقت للاستثمار في العدالة الانتقالية والحوار والمشاورات الواسعة. ومن الضروري أيضاً الاستمرار في المشاركة حتى عندما تصبح الحوارات المحلية أو العالمية حول مستقبل السودان صعبة، لأن الديمقراطية تبدأ تحديداً في تلك اللحظات.

