تم النشر بتاريخ: ١٥ أبريل ٢٠٢٦ 10:52:35
تم التحديث: ١٥ أبريل ٢٠٢٦ 10:55:00

في زمن الحرب: يغدو الشعر ضرورة وجودية

الأصمعي باشري
يعيش الشاعر الحرب بوصفها تجربة وجودية قصوى، تتجاوز حدود الحدث السياسي أو العسكري لتغدو امتحاناً عميقاً للذات الإنسانية. في قلب الدمار، حيث تتهاوى المباني وتُختزل الحياة إلى صراع يومي من أجل البقاء، يجد الشاعر نفسه أمام سؤال جوهري: كيف يمكن للإنسان أن يظل إنساناً وسط كل هذا الخراب؟ هنا، لا تكون الإجابة عبر السلاح أو الخطابات، بل عبر الكلمة؛ تلك الأداة الهشة ظاهرياً، لكنها تمتلك قدرة هائلة على احتواء الألم وتحويله إلى معنى.

حين تبدأ الحرب، لا يدخل الشاعر إليها كمتفرج، بل ككائن حساس يتلقى الصدمات بكامل وعيه. يسمع دوي القذائف لا كضجيج عابر، بل كإيقاع مفزع يقتحم داخله. يرى الوجوه المذعورة، الأطفال المرتجفين، والأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، فتتشكل في داخله صور لا يمكن محوها. هذه الصور لا تبقى مجرد ذكريات، بل تتحول إلى مادة شعرية، إلى لغة جديدة تحاول أن تعبر عن ما لا يمكن قوله بشكل مباشر. فالشعر، في زمن الحرب، يصبح لغة الضرورة، لغة ما بعد الصدمة.

يوثق الشاعر لحظات الخوف كما لو أنه يحفرها في ذاكرة الزمن. لا يكتب فقط عن القصف، بل عن الصمت الذي يليه؛ ذلك الصمت الثقيل الذي يحمل في طياته كل ما لم يُقل. يكتب عن الليل حين يصبح طويلاً بشكل غير طبيعي، وعن انتظار الفجر كأنه وعد بعيد. يكتب عن التفاصيل الصغيرة: كوب ماء يرتجف في يد عجوز، نافذة مكسورة تفتح على فراغ، أو لعبة طفل ملقاة في شارع مهجور. هذه التفاصيل، رغم بساطتها، تحمل كثافة شعورية هائلة، لأنها تمثل بقايا الحياة وسط الفناء.

في هذا السياق، لا يكون الشعر مجرد تعبير جمالي، بل فعل مقاومة. فحين يكتب الشاعر، فإنه يرفض أن يكون شاهداً صامتاً على محو الإنسان. الكلمة هنا تصبح شكلاً من أشكال الدفاع عن الوجود، محاولة لإثبات أن ما يحدث ليس مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل حياة تُسحق وأحلام تُجهض. القصيدة تتحول إلى وثيقة إنسانية، تسجل ما قد تحاول الذاكرة الجماعية نسيانه أو تجاهله.

ومن خلال هذه العملية، يحول الشاعر الألم إلى طاقة خلاقة. الألم، الذي قد يؤدي إلى الانهيار، يصبح مادة لإعادة بناء الذات. فبدلاً من أن يُحطم الشاعر، يعيد تشكيله. هذه العملية يمكن وصفها بنوع من “الصلابة البيولوجية”، حيث يتكيف الكائن الحي مع الظروف القاسية ليضمن استمراره. الشاعر، عبر الكتابة، يطور آلية بقاء خاصة به؛ فهو لا ينجو فقط جسدياً، بل نفسياً وروحياً أيضاً.

اللغة التي يستخدمها الشاعر في زمن الحرب تختلف عن تلك التي في زمن السلم. تصبح أكثر تكثيفاً، أكثر حدة، وأحياناً أكثر بساطة. تختفي الزخارف البلاغية لصالح تعبير مباشر وصادق. فالحرب لا تترك مجالاً للتزييف، بل تفرض نوعاً من الصدق القاسي. ومع ذلك، يظل هناك بعد جمالي، ليس بمعنى التجميل، بل بمعنى القدرة على خلق انسجام داخلي وسط الفوضى. القصيدة تصبح مساحة لإعادة ترتيب العالم، ولو بشكل مؤقت.

كما أن الشعر يمنح الشاعر نوعاً من السيطرة على واقع يبدو خارج السيطرة. في الحياة اليومية خلال الحرب، يشعر الإنسان بالعجز أمام القوى الكبرى التي تحدد مصيره. لكن في الكتابة، يصبح الشاعر قادراً على تشكيل العالم بالكلمات. يمكنه أن يعيد سرد الأحداث، أن يمنح الضحايا صوتاً، وأن يخلق معنى من العبث. هذه القدرة، رغم رمزيتها، تمنح الشاعر إحساساً بالفاعلية، وهو أمر ضروري للحفاظ على التوازن النفسي.

إلى جانب ذلك، يشكل الشعر وسيلة للتواصل مع الآخرين. فالقصائد التي يكتبها الشاعر لا تبقى حبيسة ذاته، بل تنتقل إلى قراء قد يعيشون التجربة نفسها أو يحاولون فهمها من بعيد. بهذا المعنى، يصبح الشعر جسراً بين الأفراد، يربط بين المعاناة الفردية والتجربة الجماعية. القارئ، حين يتفاعل مع القصيدة، لا يكتفي بفهم ما يحدث، بل يشعر به، وهذا الشعور هو ما يعيد إنسانية الحدث.

لكن هذه العملية ليست سهلة أو خالية من التناقضات. فالشاعر قد يشعر أحياناً بالذنب لأنه يكتب عن الألم بدلاً من أن يوقفه. قد يتساءل: ما جدوى الكلمات أمام الرصاص؟ هل يمكن للقصيدة أن تنقذ حياة؟ هذه الأسئلة تظل معلقة، لكن الشاعر يستمر في الكتابة، ليس لأنه يملك إجابات، بل لأنه لا يملك بديلاً. فالصمت، في هذه الحالة، يبدو شكلاً من أشكال الاستسلام.

في خضم هذا كله، يحاول الشاعر الحفاظ على إنسانيته. الحرب تميل إلى تجريد الإنسان من مشاعره، إلى تحويله إلى كائن وظيفي يسعى فقط للبقاء. لكن الشعر يعيد للشاعر حساسيته، حتى وإن كانت مؤلمة. يذكره بأنه لا يزال قادراً على الحب، على الحزن، وعلى الحلم. هذه القدرة على الشعور، رغم قسوتها، هي ما يميز الإنسان عن الآلة، وهي ما يسعى الشاعر إلى حمايته.

كما أن الشعر يفتح نافذة نحو المستقبل. رغم كل الدمار، يحمل الشاعر في كلماته بذور أمل. قد يكون هذا الأمل خافتاً، لكنه موجود. في تصويره للخراب، يلمح أحياناً إلى إمكانية إعادة البناء، إلى لحظة يتوقف فيها القتال وتعود الحياة. هذا الأمل ليس ساذجاً، بل هو فعل إرادة، اختيار واعٍ بعدم الاستسلام لليأس.

وفي النهاية، يمكن القول إن الشاعر في زمن الحرب لا يعيشها فقط كحدث خارجي، بل كتحول داخلي عميق. الألم الذي يعيشه لا يختفي، بل يتغير شكله، يتحول إلى كلمات، إلى صور، إلى إيقاعات. هذه الكلمات، بدورها، تصبح وسيلته للبقاء، ليس فقط كجسد، بل كإنسان يمتلك وعياً وذاكرة. ومن خلال هذا الفعل الإبداعي، يثبت الشاعر أن حتى في أحلك الظروف، يمكن للإنسان أن يجد طريقة ليقول: “أنا هنا، ما زلت أعيش، وما زلت أقاوم.”

هكذا، يصبح الشعر أكثر من مجرد فن؛ يصبح ضرورة وجودية، وسيلة لفهم العالم، وللدفاع عن الذات، ولحفظ ما تبقى من إنسانية في زمن يسعى بكل قوته إلى محوها.

معرض الصور