تم النشر بتاريخ: ١٥ أبريل ٢٠٢٦ 10:18:46
تم التحديث: ١٥ أبريل ٢٠٢٦ 10:22:24

العم ميرغني: لحظة اندلاع حرب 15 أبريل ``كان يومًا عبوساً قمطريرا``..

مواطنون - الخرطوم
ترك العم "ميرغني إدريس" منزله العامر وسط العاصمة السودانية، وشد الرحال غربًا نحو مدينة الأبيض، حاضرة ولاية شمال كردفان "موطنه الأصل"، لصيام شهر رمضان وسط الأهل واستعادة ذكريات الزمن الجميل.

نزل العم ميرغني عند إبنه المقيم في حي الشويحات، في قلب عروس الرمال، وسط حفاوة عظيمة، ولكن بعد قضاء شهرتحت ظلال الأشجار وفوف رمالها الناعمة، جاء يوم 26 رمضان الموافق 15 إبريل 2023. في تلك اللحظة تحولت فرحة انتظار عيد الفطر الذي تبقت لقدومه نحو ستة أيام، إلى كابوس بعدما اندلعت الحرب، ومزق أصوات المدافع ولعلعة الرصاص سكون المدينة الهادئة، وانتشر الرعب في الشوارع وداخل البيوت، ارتبكت الحياة وسرى الخوف في أوصال الأحياء المرتجفة.

يقول العم "ميرغني" : "لم اتوقع اندلاع الحرب، ولكن تفاجأنا بالرصاص ينهمر كالماء من فوق المنزل، ويثقب السقف المشيد بالزنك، لم نجد حينها وسيلة تحمينا من الإصابات سوى الاحتماء تحت الأسِرَّة والغطاء بالمراتب".

ويواصل "كنا نعتقد بالخطأ، أنها لحظات ثم تنقضي حماقة الأسلحة وتصمت فوهة البنادق، ولكن بحلول عصر ذاك اليوم، بعدما خرجنا للشارع في لحظة سكون مؤقتة، ادركنا أنها حرب حقيقية قد تستمر طويلًا، حينما شاهدنا السيارات القتالية والرجال مدججين بالأسلحة، بجانب صوت المدافع وتصاعد الدخان في كل مكان".

ويواصل العم "ميرغني" سردية الحرب المرعبة قائلاً إن الرصاص المجنون الطائش، حصد أرواح الضحايا، وسقط مواطنون جراء إصابات خطير، مما اضطرهم إلى السير يمحازاة الجدران بحذر تفاديًا لقذائف الدوشكا والكلاشنكوف. يضيف، وهو يجتر ذكريات الأيام الأولى "الساعة تمر وكانها دهرًا، فرغت الأسواق والدواوين الحكومية، عاد الناس مهرولين ولزموا البيوت، بينما امتلأت المستشفيات ومراكز العلاج بالمصابين ودماء الأبرياء ، كان يومًا عبوساً قمطريرا راسخ في ذاكرتي لم يبارحها حتى اللحظة".

لم يترجل العم "ميرغني" عن ظهر رحلة الحكي في محطة يوم اندلاع الحرب الكريهة، وإنما واصل السرد ما بعد الصدمة. ويقول "تغير نهج وسلوك المدينة التي أصبحت مدججة بالأسلحة الخفيفة والثقيلة، وبات مكمن الخطورة في محطة 13 أقصى غرب المدينة مركز قوات الدعم السريع".

هناك في الأحياء المتأخمة للمبنى الضخم، كانت المخاطر داخل الغرف والبيوت أكبر من خارجها، وبات الشوارع والطرقات ساحة للاشتباكات وأرض المعركة التي اشتد اوارها. هذا الوضع دفع العم ميرغني وكثيرين إلى الخروج من الأبيض نحو مدينة النهود الوادعة.

يستمر في حديثه لـ"مواطنون" "غادرنا عروس الرمال على عجل، وهناك احتوتنا العشيرة والأهل بمحبة، وعشنا ايامًا أزالت رهق وتعب الطريق الوعرة، واستقبلنا في النهود شهر رمضان، وصمنا للمرة الثانية من عمر الحرب في أمان".

بعد انقضاء عيد الفطر بفترة قصيرة، تجددت المأساة عندما هاجمت قوات الدعم السريع مدينة النهود وفتكت بأهلها، قتلت الناس، هتكت الأعراض ونهبت المتاجر والمخازن في وضح النهار.

وسط هذه الفوضى والرعب المنتشر داخل البلدة، إضطر العم ميرغني لمغادرة المدينة مرة أخرى.

"سلكنا طريقاً غير آمن محفوف بالمخاطر، ركبنا على ظهر أربعة "كارو" ،وهي وسيلة شعبية تقليدية لنقل البضائع والسلع، ولكن في تلك الظروف تستخدم لنقل الناس، تحت حماية رجال مسلحين، تم تأجيرهيم للحراسة خوفًا من هجمات متفلتين يطلق عليهم محليًا "شفشافة".

سار هذا الرتل للناقل الشعبي في طريق غير مألوف وسط أشجار الهشاب، الكتر واللالوب حيث تعرضت أرجل الفارين من جحيم الحرب لطعنات "الشوك" ووخذ الألم. وعندما وصلوا إلى منطقة "أم طبق"، تم تبديل وسيلة السفر، ليستغلوا عربة بيك أب بدلًا من "الكارو". وعلى ظهر الموديلات القديمة، تم ربط النساء بحبال أسوة بالحقائب والمتاع، في منظر غير مألوف بالنسبة لهم، ولكنهم إضطروا للقبول يهذا الوضع نسبة لظروف الحرب التي دفعت الملايين إلى محاولة النجاة من الموت بأي وسيلة.

يستطرد العم "ميرغني" قائلًا : خلال الرحلة التي استغرقت أربعة أيام بلياليها، مررنا على مناطق مشهورة في خارطة معارك الحرب الطاحنة منها النهود، الخوي، أم طبق، ود شعيفون، فوجة، وأولا بخيت. وجدنا في هذه المناطق الوادعة جود يعكس معدن واصالة الشعب السوداني ومدى تمسكه بكرم الضيوف".

وها هم على تخوم مدينة الأبيض مجددًا، التي فارقوها منذ اكثر من عام وثلاثة أشهر تقريبًا، لكنهم لم يتوقفوا عندها كثيرًا بل سرعان ما تجوازها وهم يستانفون رحلتهم بالحافلات إلى مدينة كوستي ثم إلى الخرطوم.

يقول العم ميرغني "لقد شهدت موسم رمضان الثالث، لحرب "15 إبريل" والتي دخلت عامها الرابع، في العاصمة الخرطوم".

معرض الصور