تم التحديث: ٢٠ فبراير ٢٠٢٦ 17:22:52

مسعد بولس: حرب السودان يجب أن تضع اوزارها
متابعات ـ مواطنون
أثار خطاب مسعد بولس أمام مجلس الأمن الدولي في جلسته الأخيرة بشأن الحرب الدائرة في السودان اهتماماً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، خصوصاً في ظل استمرار الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وما خلّفه من تداعيات إنسانية وأمنية عميقة. وقد انقسمت قراءات المحللين السياسيين للخطاب بين من اعتبره إعادة تموضع أميركي واضح في إدارة الأزمة، ومن رأى فيه استمراراً للخطاب الدولي التقليدي الذي يفتقر إلى أدوات تنفيذ حاسمة على الأرض.
في تقدير عدد من الخبراء، حمل خطاب بولس بعداً سياسياً يتجاوز مجرد الدعوة إلى وقف إطلاق النار، إذ شدد على أن الحسم العسكري ليس خياراً واقعياً لإنهاء النزاع، وأن مستقبل السودان يجب أن يُصاغ عبر عملية سياسية مدنية شاملة، لا عبر موازين القوى العسكرية. هذا الطرح، وفق محللين، يعكس إدراكاً أميركياً بأن استمرار الحرب يهدد ليس فقط وحدة السودان، بل استقرار الإقليم بأكمله، خاصة في ظل تدفقات اللاجئين وتنامي الاقتصاد الحربي وانتشار السلاح. ويرى هؤلاء أن الخطاب سعى إلى تثبيت معادلة مفادها أن أي شرعية مستقبلية في السودان لن تُبنى على انتصار عسكري، بل على توافق سياسي واسع.
غير أن مراقبين آخرين يشيرون إلى فجوة واضحة بين الطموح السياسي للخطاب والواقع الميداني المعقد. فالقوتان المتحاربتان ما زالتا تراهنان على تحقيق مكاسب عسكرية تُحسّن شروط التفاوض، وهو ما يجعل الدعوة إلى هدنة إنسانية أو وقف فوري للقتال أقرب إلى مطلب أخلاقي منه إلى مشروع قابل للتحقق في المدى القريب. ويؤكد هؤلاء أن التجارب السابقة أظهرت هشاشة اتفاقات التهدئة في السودان، إذ سرعان ما تنهار تحت ضغط الحسابات العسكرية والتحالفات المحلية المتغيرة.
كما توقف محللون عند نبرة الخطاب التي بدت حازمة تجاه جميع أطراف النزاع، إذ أشار بولس إلى مسؤولية مباشرة عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ولوّح بإمكانية استخدام أدوات ضغط سياسية واقتصادية ضد من يعرقلون جهود السلام. ويرى بعض الخبراء أن هذه الرسائل تحمل بعدين: الأول أخلاقي يهدف إلى تأكيد مركزية المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، والثاني سياسي يسعى إلى إعادة رسم خطوط حمراء دولية أمام الأطراف السودانية. لكن في المقابل، يحذر آخرون من أن لغة التهديد بالعقوبات قد تدفع بعض الفاعلين المحليين إلى مزيد من التشدد، خاصة إذا شعروا بأنهم مستهدفون بشكل مباشر.
ومن النقاط التي أثارت اهتمام المحللين تركيز الخطاب على المسار المرحلي للحل، بدءاً من هدنة إنسانية، مروراً بترتيبات أمنية، وصولاً إلى عملية انتقال سياسي تقودها حكومة مدنية. هذا الطرح اعتبره بعض المراقبين واقعياً من حيث المنهج، لأنه يقرّ بصعوبة الانتقال الفوري إلى تسوية سياسية شاملة. غير أن التحدي، كما يراه خبراء الشأن السوداني، يكمن في غياب الثقة بين الأطراف، وفي تشظي القوى المدنية نفسها، ما يطرح سؤالاً حول الجهة القادرة على تمثيل الشارع السوداني في أي مفاوضات قادمة.
إقليمياً، قرأ بعض المحللين الخطاب باعتباره محاولة أميركية لاستعادة زمام المبادرة في ملف السودان، في ظل تداخل أدوار قوى إقليمية مختلفة لكل منها حساباتها ومصالحها. فالحرب لم تعد شأناً داخلياً صرفاً، بل باتت ساحة تنافس غير مباشر بين أطراف إقليمية، سواء عبر الدعم السياسي أو اللوجستي أو الاقتصادي. ومن هذا المنظور، فإن خطاب بولس لم يكن موجهاً فقط إلى المتحاربين داخل السودان، بل أيضاً إلى العواصم الإقليمية المعنية بمآلات الصراع.
أما على الصعيد السوداني الداخلي، فقد انقسمت القراءات بين من رحب بتأكيد أولوية الحكم المدني، معتبراً ذلك دعماً دولياً لمطالب الثورة السودانية، وبين من رأى في الخطاب تدخلاً خارجياً قد لا يراعي تعقيدات التوازنات المحلية. ويشير بعض المحللين إلى أن أي مبادرة دولية لن تنجح ما لم تنطلق من حوار سوداني–سوداني واسع يشمل القوى السياسية والمجتمعية، ويعالج جذور الأزمة المتمثلة في اختلال العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة المدنية، إضافة إلى أزمات الهوية والتنمية غير المتوازنة.
في المحصلة، يتفق معظم المحللين على أن خطاب مسعد بولس شكّل رسالة سياسية قوية مفادها أن المجتمع الدولي لم يرفع يده عن السودان، وأن خيار الحرب المفتوحة غير مقبول دولياً. لكنه في الوقت ذاته يواجه معضلة التنفيذ في بيئة تتسم بتعدد مراكز القوة، وبتشابك المصالح الداخلية والخارجية. فبين الرغبة في وقف نزيف الدم، والواقع الميداني الصلب، تبقى فعالية أي خطاب مرهونة بقدرته على التحول إلى آلية ضغط منسقة دولياً وإقليمياً، وإلى مسار سياسي يجد شريكاً سودانياً مستعداً لتقديم تنازلات متبادلة. وحتى يتحقق ذلك، سيظل الخطاب محطة مهمة في مسار الأزمة، لكنه ليس بالضرورة نقطة التحول الحاسمة فيه.

