تم النشر بتاريخ: ٣ فبراير ٢٠٢٦ 14:53:47
تم التحديث: ٣ فبراير ٢٠٢٦ 14:56:47

البجقراطية/ البدوقراطية

أونور حمد
أشرب فنجان القهوة الصباح وأفتح الهاتف وكأنني افتح بوابة صغيرة على عالمٍ أكبر من حجمه، وأترك خوجلي عثمان ينساب من سماعاته من الـSoundCloud كاول أغنية في الplaylists، بينما يتكدّس أمامي تايم لاين فيسبوك وتيك توك، المنصتان اللتان أصبحتا بفعل غياب البنية الإعلامية المرجع السياسي والاجتماعي شبه الوحيد في شرق السودان. أتنقّل بين الأخبار والبوستات والفيديوهات القصيرة: الكردينال، ميناء عقيق، زيارة الوالي، مؤتمر بقيادة موسى، مؤتمر بقيادة ترك، تكريم شخصية اجتماعية، خلافات القيادات، سلسلة لا تنتهي من أحداث تبدو سياسية، لكنها في جوهرها إعادة تدوير للقبيلة في شكل دولة.

في تلك اللحظة، يتسلل إلى ذهني مصطلح «البدوقراطية» من ذلك الكتاب الذي قرأته مرة وعشت ظروفه مرات. أسأل نفسي: هل يصف الكتاب واقعنا، أم أننا نحن الذين نعيد إنتاج الكتاب على الأرض؟ القبيلة، الزعيم، الشيخ، القيادي، المدير، الناشط … كلها تتحرك اليوم كأنها وحدات تحليلية في علم الاجتماع السياسي، لكنها وحدات فقدت معناها الأصلي وتحولت إلى بنية سلطوية بديلة، تملأ فراغ الدولة وتعيد تشكيل المجال العام وفق منطق الانتماء لا منطق المواطنة.

 

شرقٌ يتقلّص داخل جلباب القبيلة
الشرق اليوم يعيش حالة انكماش اجتماعي سياسي، حيث تتراجع الهويات المدنية لصالح هويات أولية، ويتحوّل المجال العام إلى «سوق ولاءات» لا «ساحة مطالب». هذا الانكماش ليس مجرد صدفة، بل هو نتيجة تراكمات تاريخية:
غياب التنمية، ضعف التعليم، سياسات التهميش، ودور الطرق الصوفية خصوصاً الختمية ،في إبطاء تشكّل طبقة متعلمة قادرة على إنتاج وعي سياسي حديث.أتذكر قصة طه بليه، وكيف مات وهو يصيح :المدرسة ،الثورة ،الفيدرالية ، كانت معركة على الوعي. ومن يخسر الوعي، يخسر القدرة على إنتاج مشروع سياسي يتجاوز القبيلة.

ثورة ديسمبر والشرق الذي وقف جانباً
عندما أقارن مشهد اليوم بثورة ديسمبر، أتذكر كيف بدأ الحراك المضاد لها بعد إعلان الحكومة التي كانت أضعف حلقات الثورة وكيف تم سفك دماء أبرياء بسبب رفض مسار الشرق وتعيين والي مدني في كسلا. ويرجع في نهاية المطاف يجلس الزعيم ترك الذي يمثل أضعف حلقة للنظام السابق في المعادلة مع الأمين داؤود الذي يمثل مسار الشرق. أرى بوضوح أن الشرق لم يدخل الثورة ككتلة واحدة. كان هناك شباب ثوريون، لكن كانت هناك أيضاً قيادات تقليدية ظلت تراقب المشهد من بعيد، تتشمّم اتجاه الريح، وتفاوض النظام حتى آخر لحظة. خروج موسى محمد أحمد الحزين والمضحك من الحكم لم يكن فعلاً ثورياً بقدر ما كان انسحاباً من سفينة غرقت بالفعل.

هذه الازدواجية أنتجت ما يمكن تسميته في علم الاجتماع السياسي بـالوعي المعلّق: وعي يريد التغيير، لكنه محاصر ببنية اجتماعية لا تسمح له بالتحرك. هذا الوعي المعلق يشرح ضعف البنية الاجتماعية والمقومات النظرية للقيادة السياسية والاجتماعية في الوقت الراهن .

مرحلة خطيرة ونافذة ضيقة:
الشرق الآن في مرحلة يمكن وصفها بـ«المرحلة التكوينية»، وهي مرحلة تتحدد فيها فرص التماسك أو الانقسام. إما أن تتشكل كتلة وعي جديدة تتجاوز القبيلة، أو ينزلق الشرق إلى إعادة إنتاج نفس البنية التي عطّلته لعقود.

هناك جيل جديد جيل من الشعراء، المثقفين، الناشطين، والباحثين جيل صقلته التجارب القاسية، وقرأ في السياسة أكثر مما قرأ في كتب المدرسة، وهناك جيل نشأ في أزقة الجامعات في هوامش الحريات والحراك الثقافي السياسي وتأثر بنظريات التحرر الوطني، وباليسار الأفريقي، وبحركات المقاومة في القرن الأفريقي .

لكن هذا الجيل ما زال بلا حامل تنظيمي، بلا إطار، بلا مشروع جامع.

نظام الإنقاذ والحركة الاسلامية فهموا جيوسياسية المنطقة واستغلوا الفقر وغياب التعليم، استثمروا في الفقر وزادوا دوافع الفساد وقسموا المجتمع لغرض التحكم وأضعفوا الزعيم القبلي والسياسي في آن و ضربوا القبائل ببعض وخلقوا التنافس السياسي بدل ان يكون احزاب تتنافس أصبحت قبائل تتنافس.

أعود إلى كتاب "سنوات الجمر"لسليمان أونور، فأرى بوضوح أن العمل المسلح في الشرق لم يكن ينقصه الشجاعة، بل كان ينقصه شيء آخر: وضوح الهدف، تماسك الرؤية، وإطار نظري يربط بين الأرض والهوية والمشروع السياسي.

الخلافات، التدخلات، الشخصيات، الولاءات… كلها كانت تعبيراً عن غياب البنية الفكرية التي يمكن أن تحوّل المقاومة من فعل ظرفي إلى مشروع تاريخي.

البجقراطية… اسم لمرحلة كاملة
عندما أقرأ الحاضر بالماضي، أفهم أن «البجقراطية» ليست مجرد مصطلح ساخر.إنها توصيف دقيق لمرحلة يختلط فيها الحابل بالنابل:
القبيلة تتقمص دور الحزب،الزعيم يصبح الدولة، والسياسة تتحول إلى سلسلة من المؤتمرات والبيانات والولاءات.

لكن وسط هذا الضجيج، هناك فرصة هشة لكنها موجودة لظهور مشروع جديد يعيد تعريف الشرق، مشروع يقوم على الوعي، على المواطنة، على الثقافة، على الأرض، وعلى المستقبل الذي يستحقه الناس هناك.

إلا أنني اخلص قهوتي على أمل أتلمسه في وسط هذا الضجيج وأجده في كلمة أو بوست أو تعليق أو فيديو مسجل مثل مستر نو وصديقي وأخي البابو وشيبة وسماحه وأبو نورة وعجاج وحرم إدريس ودومة وبيكو والعميق وغيرهم بالعشرات، الذين اتمنى لهم الفرص في قيادة الشرق كإقليم مرتبط عضوياً وثقافياً بباقي السودان.

معرض الصور