تم النشر بتاريخ: ٢٨ يناير ٢٠٢٦ 20:25:25
تم التحديث: ٢٨ يناير ٢٠٢٦ 20:28:11

لماذا لا يعود الناس إلى الخرطوم؟

د.ناهد محمد الحسن
رسالة مفتوحة إلى قيادة الجيش السوداني
هذه الرسالة لا تُكتب من موقع خصومة، ولا من موقع خوف، ولا من خارج الوطن. تُكتب من موقع الإصغاء لما قاله الناس بأنفسهم، حين سُئلوا: لماذا لا تعودون إلى الخرطوم؟

الإجابات التي جُمعت لا تنتمي إلى تيار سياسي واحد، ولا إلى طبقة اجتماعية بعينها، ولا إلى موقع جغرافي محدد. عاد بعضهم، تردّد آخرون، ورفض كثيرون. لكن اللافت أن الأسباب تكررت بصيغ مختلفة، وبنبرة واحدة: واقعية، مرهقة، بلا شعارات. وهذا ما يستحق أن يُسمَع.

أولًا: الناس لا يرفضون العودة… ولكن يرفضون المجازفة بالحياة. كثيرون قالوا بوضوح: "الرجوع ما شجاعة ساي… الرجوع مسؤولية".

في علم النفس الاجتماعي، حين يتعرّض مجتمع لصدمات جماعية ممتدة (قصف، نزوح، فقدان، موت، تهديد مستمر)، فإن العودة لا تُقرأ عاطفيًا، بل تُقيَّم عقلانيًا:
هل يمكن النوم مطمئنًا؟
هل يوجد حد أدنى من القانون؟
هل يمكن حماية الأطفال ، النساء وكبار السن؟

الناس لم يخرجوا كرهًا في الخرطوم، بل حفاظًا على أرواحهم وعلى ما تبقّى منهم. والعودة في ظل حرب لم تتوقف سياسيًا ولا أخلاقيًا تُفهم كـ تعريض مقصود للنفس للخطر، لا كواجب وطني.

ثانيًا: المشكلة ليست الحنين… بل غياب الدولة. تكررت عبارة واحدة بصيغ متعددة:
غياب الدولة – شريعة الغاب – الفوضى – انتشار السلاح – تعدد الولاءات

وهنا لا نتحدث عن نقص خدمات فقط، بل عن غياب منظومة أمان:
لا قضاء موثوق، لا توجد شرطة فاعلة، لا محاسبة، سلاح خارج السيطرة بيد جماعات أيديولوجية وقبلية.

في مثل هذا السياق، لا يشعر المواطن أنه يعود إلى مدينة، بل إلى فراغ سيادي، وهذا يفسّر لماذا قال بعضهم: "أن لا تنام مطمئنًا سبب كافٍ لعدم العودة"

ثالثًا: الحرب لم تنته، حتى لو تغيّر صوتها.

رغم تفاوت شدة القتال، فإن الناس تلتقط الرسائل السياسية لا العسكرية فقط...خطاب الاستمرار في الحرب، وتوسيع الاستنفار، وانتشار المليشيات الجديدة، كل ذلك يخلق يقينًا جماعيًا بأن: هذه الحرب لم تُغلَق سياسيًا، بل تتكاثر.

في التاريخ المقارن، المجتمعات لا تعود بكثافة بعد الحروب إلا عندما تشعر أن العنف فقد شرعيته، لا عندما يتراجع مؤقتًا.

رابعًا: الخرطوم اليوم ليست بيئة حياة.

الناس لم يجمّلوا الواقع؛ تحدثوا بصراحة عن غياب الصحة، التعليم، الكهرباء، العمل، المياه، تكاثر الاوبئة، البنية تحتية مدمّرة.
قال أحدهم ببساطة "المدينة غير صالحة للسكن الآدمي". وقال آخر "عدنا… والضنك قتلنا".

هذه ليست مواقف سياسية، بقدر ما انها حسابات بقاء.

خامسًا: الاقتصاد والحياة اليومية يحسمان القرار

حتى من قالوا إن المشكلة “ليست سياسية”، كانوا واضحين: الحياة خارج الخرطوم أسهل، الخدمات الصحية متوفرة، تكلفة المعيشة أوضح، و القدرة على التخطيط ممكنة. وهذا طبيعي، فالناس لا تختار المدن بالشعارات، بل بالقدرة على إدارة الحياة اليومية بكرامة.

سادسًا: الأطفال والنساء وكبار السن… هم معيار القرار.

كثير من الشهادات ذكرت: أطفال عاشوا رعب القصف، إصابات، أمراض مزمنة بلا رعاية، نساء يتعرّضن لعنف ممنهج، كبار سن لا يحتملون "تجربة نزوح ثانية".

وهنا يجب القول بوضوح: المجتمع الذي لا يستطيع حماية أضعف فئاته، لا يقنع أهله بالعودة مهما ارتفعت الخطب.

سابعًا: الخرطوم تغيّرت اجتماعيًا، وهذا يخيف الناس.

بعض الإجابات كانت موجعة: "ما الخرطوم البنعرفها، ولا الجيران البنعرفهم".

الحرب لا تدمّر المباني فقط، بل تُغيّر العلاقات، وتُشحن النفوس، وتفكك النسيج الاجتماعي. وهذا النوع من التغيير لا تعالجه اتفاقيات، ولكن يحتاج زمن وثقة، عمل وعدالة.

خلاصة الرسالة
الناس لا يعاقبون الخرطوم بعدم العودة...ولا يناورونكم سياسيًا. هم يقولون، بوعي جمعي ناضج:
- لا نعود لأن شروط الحياة الآمنة لم تتوفّر بعد.
- لا نعود لأن الدولة لم تستعد دورها كضامن للحق، لا كطرف في الاستقطاب.
- لا نعود لأن السلاح خارج القانون، والخطاب العنيف يتكاثر.
- لا نعود لأن الحرب لم تُغلق سياسيًا، ولا أُعلن أفقها بصدق.

وحين قال بعضهم: "نعود يوم تكون الرجعة حياة، لا مجازفة باسم الحنين"، فهم لخّصوا الموقف كله.

كلمة أخيرة لقيادة الجيش
المدن لا تُستعاد بالقوة وحدها، ولا تعمُر بالبيانات. كما انكم لن تستطيعوا ان تُقنعوا أهلها بالعودة إن لم يشعروا أن:
- القانون فوق الجميع.
- السلاح تحت سيطرة الدولة لا الأيديولوجيا.
- العدالة ممكنة.
- الحرب طريق مسدود لا قدرًا مفتوحًا.

حينها فقط، لن تحتاجوا إلى دعوة الناس للعودة. سيعودون لأن المدينة ستكون جديرة بالحياة من جديد.

ملخص شهادات المواطنين للبحث: لماذا لا يعود الناس إلى الخرطوم؟

استنادًا إلى عشرات الشهادات المباشرة، تتلخص أسباب عدم العودة في الآتي:
انعدام الأمن: انتشار السلاح والمليشيات، غياب القانون، وخوف دائم من تجدد القتال.
غياب الدولة: فقدان الثقة في الأجهزة الأمنية والقضائية، ومخاوف من الاعتقال والملاحقة بسبب الرأي.
انهيار الخدمات: كهرباء ومياه شبه معدومة، نظام صحي منهار، شح الدواء، وانتشار الأوبئة.
شلل سبل العيش: انعدام فرص العمل، توقف الأسواق والبنوك، تضخم خانق بلا دخل.
كلفة العودة: عدم القدرة المالية والنفسية على إعادة التأسيس، خاصة لكبار السن والمرضى وذوي الإعاقة.
الأطفال والتعليم: رفض تعريض الأبناء لرعب جديد، وغياب بيئة تعليمية آمنة.
تفكك اجتماعي: الخرطوم لم تعد كما كانت؛ فقدان الجيران والسند والنسيج الاجتماعي.
فجوة الثقة: تشكك واسع في خطاب “الاستقرار” والدعوات غير المسبوقة بتهيئة حقيقية للمدينة.

الخلاصة:
عدم العودة قرار مسؤول لا يعكس خوفًا ولا نقص وطنية، وانما قراءة واقعية للمخاطر.
نعود حين تكون العودة حياة، لا مجازفة باسم الحنين.

معرض الصور