تم التحديث: ٢١ ديسمبر ٢٠٢٥ 15:14:08

مدمَّرة ومليئة بالجثث.. الفاشر تحت سيطرة الدعم السريع
وكالات
عندما عادت الممرضة السودانية أسماء إلى مدينة الفاشر في إقليم دارفور، لم تجد سوى جثث في الأماكن التي كان يعيش فيها جيرانها، ولم تعثر على أي أثر للأسرة التي جاءت لإنقاذها.
وكانت قوات الدعم السريع، التي تخوض معارك ضد الجيش السوداني منذ أبريل 2023، قد سيطرت في 26 أكتوبر على آخر معاقل الجيش في دارفور، في هجوم دموي اتسم بعمليات إعدام وانتهاكات ونهب واغتصاب.
ومنذ ذلك الحين، فرضت قوات الدعم السريع حظراً على الاتصالات، عزل مدينة الفاشر عن العالم الخارجي. ولم يُعرف الكثير عمّا يجري داخل المدينة، منذ أن نشر مقاتلو الدعم السريع، قبل ثمانية أسابيع، صوراً أظهرت عمليات قتل جماعي صدمت العالم.
وتمكنت وكالة فرانس برس من التحدث إلى اثنين من سكان المدينة عبر الإنترنت الفضائي، كما جمعت إفادات من منظمتين إنسانيتين حصلتا على وصول نادر، إضافة إلى تحليل صور أقمار صناعية، لتكوين صورة عن أوضاع الفاشر تحت سيطرة الدعم السريع.
وبحسب برنامج الغذاء العالمي، فرّ أكثر من 106 آلاف شخص من الفاشر منذ سيطرة الدعم السريع عليها، فيما لا يزال ما بين 70 ألفاً و100 ألف شخص محاصرين داخل المدينة.
وكانت أسماء قد فرت من المدينة يوم الأحد الذي سقطت فيه بيد الدعم السريع، لكنها اعتُقلت مع 11 شخصاً آخرين قرب عاصمة جنوب دارفور، نيالا، ولم يُفرج عنها إلا بعد دفع فدية قدرها ثلاثة آلاف دولار.
وبدلاً من الفرار نهائياً، عادت أسماء إلى الفاشر، وأمضت خمسة أسابيع تبحث عن أشقائها، وزوج شقيقتها، وعدد من أبناء عمومتها، وسط تقارير تفيد بأن آلاف الأشخاص لا يزالون محتجزين داخل المدينة.

وقالت لوكالة فرانس برس "لا أعرف إن كانوا معتقلين أم قتلى. أواصل البحث عنهم في الملاجئ والمدارس وفي كل مكان. لكن ما وجدته بدلاً من ذلك كان مدينة «مرعبة ومليئة بالجثث". وأوضحت أن منزلها دُمّر بالكامل.
وعندما طلب منها أحد الجيران الاطمئنان على أسرته، دخلت منزلهم لتجد جثتين في الداخل. وتعرّفت عليهما باعتبارهما اثنين من أبناء عمومته، ففرت مذعورة. وقالت: "كانتا لا تزالان طريتين".
وقرب منزلها، شاهدت حُفراً عميقة للدفن تقول إنها استُخدمت "لمحو آثار عمليات القتل".
وتؤكد صور الأقمار الصناعية التي حللتها وكالة فرانس برس روايتها، إذ تُظهر تزايد عدد ما يبدو أنها قبور في مساحة تبلغ 3600 متر مربع قرب مقر اليونيسف.
كما أظهرت الصور تغيرات في التربة على شكل قبور في المنطقة الخاضعة لسيطرة الدعم السريع منذ أوائل أكتوبر، مع استمرار زيادتها منذ سبتمبر.
فارغة تماماً
وقال برنامج الغذاء العالمي إن ما هو معروف عن الأوضاع في الفاشر "يفوق الوصف من حيث الرعب"، مشيراً إلى تقارير عن جثث محترقة، وأسواق مهجورة، وطرق مليئة بالألغام.
وأوضح متطوع في الهلال الأحمر، تحدث إلى وكالة فرانس برس من داخل المدينة طالباً عدم الكشف عن هويته، أن فريقه دخل الفاشر في 4 ديسمبر ودفن «جثثاً متناثرة» في الشوارع والمباني، مع ورود تقارير يومية عن جثث جديدة.
كما كشف تحليل للأقمار الصناعية أجرته مختبرات البحوث الإنسانية بجامعة ييل في أواخر نوفمبر عن "أكوام من الأجسام التي تتوافق مع جثث بشرية"، يتم نقلها ودفنها وحرقها، مع وجود قوات الدعم السريع في المكان، بحسب مدير المختبر ناثانيال ريموند.
وفي مناطق كانت تعج بالحركة، باتت الشوارع الآن خالية.
وأظهر تحليل حديث لصور أقمار صناعية أجرته وكالة فرانس برس عدم وجود أي نشاط ظاهر في أربعة أسواق رئيسية في المدينة حتى منتصف ديسمبر، وهي مناطق كانت مزدحمة قبل اندلاع الحرب.
ووصف إسماعيل، الذي عاد إلى الفاشر من بلدة قرني القريبة بعد خمسة أسابيع من سيطرة الدعم السريع، حياً مهجوراً، ومنزله متضرراً جزئياً وقد نُهبت محتوياته.
وقال لوكالة فرانس برس، مستخدماً اسماً مستعاراً حفاظاً على سلامته: "المنطقة فارغة تماماً. عندما أخرج لجلب أي شيء، أخشى على عائلتي".
وخلال 18 شهراً من الحصار، عاش المدنيون في الفاشر على حد الكفاف، معتمدين على علف الحيوانات وجلود الأبقار. وقد أكدت الأمم المتحدة الشهر الماضي وقوع مجاعة، في حين لم تتلق المدينة عملياً أي مساعدات.
وقالت منظمة "ملام دارفور للسلام والتنمية"، وهي إحدى المنظمات القليلة التي سُمح لها بالدخول، إنها سلمت مواد غذائية وبطانيات في 2 ديسمبر، لكنها وجدت نقصاً حاداً في المياه والغذاء والأدوية.
محاصرون في الداخل
وأفادت فرق أطباء بلا حدود في بلدة طويلة، على بعد 70 كيلومتراً غرب الفاشر، بأنها تلقت العديد من التقارير الجديدة عن عمليات خطف داخل المدينة وعلى طرق الفرار.
وقالت منسقة الطوارئ في أطباء بلا حدود، مريم العروسي، لوكالة فرانس برس "قوات الدعم السريع تريد إبقاء الناس في الداخل"، مضيفة أن كثيرين حاولوا المغادرة مؤخراً وأُجبروا على العودة.
وأوضحت أن من ينجحون في الفرار يروون قصصاً عن عائلات دفعت فدى، ورجال تعرّضوا للتعذيب أو أُطلق عليهم النار، وآباء قُتلوا، وأطفال تُركوا دون مرافقة.
من جانبها، نفت قوات الدعم السريع هذه الاتهامات ووصفتها بأنها "روايات مفبركة"، وقالت إنها تحقق في الأمر، وسعت إلى تقديم صورة مختلفة عن الفاشر تحت حكمها.
وفي مقاطع فيديو، تتباهى بما تسميه حملات "إعادة إعمار"، وبافتتاح مركز شرطة جديد، وتفقد محطة مياه المدينة، داعية السكان إلى استئناف الحياة "الطبيعية".
وقد أسفرت الحرب في السودان عن مقتل عشرات الآلاف، وتشريد ملايين آخرين، وأطلق سلسلة جديدة من الفظائع بحق سكان دارفور، الذين ما زالوا يعانون من آثار الجرائم التي ارتكبها في أوائل العقد الأول من الألفية سلفُ قوات الدعم السريع، ميليشيا الجنجويد.


