آراء

تم النشر بتاريخ: ٥ أغسطس ٢٠٢٥ 16:12:59
تم التحديث: ٠ ديسمبر ٠٠٠٠ 00:00:00

الصورة: موقع مجلس الامن والسلم الافريقي 

مجلس الأمن والسلم الإفريقي: حالة احتيال دبلوماسي

<p>خالد ماسا</p>

خالد ماسا

بدأ نهار الاثنين الرابع من شهر أغسطس ٢٠٢٥م ككل أيام الخريف الجميلة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، حيث كان الجو شاعرياً تماماً في البهو المؤدي لقاعة الاجتماعات الرئيسية Old Plenary Hall بمقر الاتحاد الإفريقي. أضواء خافتة بالكاد تضيء المكان وموسيقى كلاسيكية لا تُزعج المؤتمرين من المندوبين الدائمين لاجتماع مجلس الأمن والسلم الإفريقي، وهم يناقشون على هامش أجندة الاجتماع تعديلات ميزانية الاتحاد الإفريقي ورواتب الموظفين مقارنة برصفائهم في منظمات نظيرة. تقطع موظفة السكرتارية الإثيوبية صوت ثرثرة الملاعق والكؤوس بطلب الدخول إلى القاعة الرئيسية، بحسب توجيه السيد محمد خالد، مندوب الجزائر لدى الاتحاد ورئيس الدورة الحالية للمجلس، والتي يناقش اجتماعها الطارئ الأوضاع في السودان.

ذات النهار كان قائظاً جداً في مدينة الفاشر، والسماء لم تُمطر بعد، وعدد قليل من الفارين من قرية قرني شمال غرب المدينة يحكون بأنهم تركوا خلفهم ١٤ جثة لمدنيين قتلتهم قوات الدعم السريع، نساء مشغولات بتنظيف القليل من (الأمباز) لعله يؤجل حفلة الموت جوعاً يوماً أو يومين.

ما بين منزلة السقوط والتحرير
حالة الأمن والسلم التي لم تعرف لها القارة السمراء طريقاً عبر مجلسها الذي أنشأه الاتحاد لهذا الغرض، لا زالت على حالها، وتنعقد الجلسات وربطات العنق، وتتكبد سكرتارية الاجتماعات عناء صياغة بيانات الشجب والإدانة لآلاف من المدنيين يحصدهم الرصاص تحت مسميات يختارها حملة السلاح، تحرير كانت أو إسقاط، ولا شيء يوقف نزيف الدم والأرواح.

وربما لو التقى السفير محمد خالد، مندوب دولة الجزائر الدائم لدى الاتحاد الإفريقي، رفيقه في السلك الدبلوماسي الجزائري السيد رمطان لعمامرة، المبعوث الخاص للأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة للسودان، في حفل شاي عائلي وسأله عمّا حدث في ملف المهمة التي كُلّف بها قبل عامين بخصوص إنهاء الحرب في السودان ومعالجة الأوضاع الإنسانية واستعادة المسار المدني الانتقالي، لأخبره همساً بأنه لم يغادر بعد محطة المناشدة والشجب والإدانة، وأن صوت المدافع والرصاص لا زال أعلى من صوت دبلوماسية المنظمات، وأنه كان قد اكتفى بالزيارات والمقابلات البروتوكولية ليضيف سطراً جديداً لسيرته الذاتية، وسطراً آخر لمأساة السودانيين، ولتسقط مدن أخرى من مدن منظمات المجتمع الدولي التي ترفض التحرر من عبث الدبلوماسية اللزجة.

في غرف الانتظار
حشد، وعدد كبير من مراسلي القنوات العالمية ومحللي الأخبار والسياسيين والدبلوماسيين والجنرالات، هم وحدهم الذين ظلوا في حالة ترقّب وانتظار لمخرجات جلسة المندوبين الدائمين للدول الإفريقية بمجلس الأمن والسلم الإفريقي حول الأوضاع في السودان، آملين أن تأتي سطور البيان الختامي بما يخدم أجندتهم في ملف القضية السودانية بالغ التعقيد.

أما المنتظرون في محطة قطارات القاهرة، وهم يحملون حقائب أوجاعهم عائدين من اللجوء، والذين كانت وجبتهم صباح ذات اليوم في معسكرات اللجوء في تشاد من أوراق الشجر الطازجة، والمطرودون من دور الإيواء في مدن النزوح السودانية، فلم تكن هذه الجلسة تعنيهم بشيء، هذا إن كانوا قد سمعوا عنها أساساً، وذلك لأن طعم أوراق بيانات المناشدة والشجب والإدانة الصادرة من الاتحاد الإفريقي ومجلس أمنه وسلمه لا تختلف كثيراً عن طعم أوراق الشجر و"الأمباز"، بل هي الأكثر مرارة، ومضاف إليها ملح الخذلان، وباردة برود القاعات التي عُقدت فيها الجلسات.

الثابت في طبخة جلسة مجلس الأمن والسلم الإفريقي، والمتفق عليه فيها، أنها جاءت "مُخيّبة للآمال" بالنسبة للجميع، فهي، كما ذكرنا، لم تكن معنية بما يحدث للمدنيين الذين يُحاصرهم الموت في الفاشر وكادوقلي، وكل الذين تقطعت عليهم سبل المسارات الإنسانية وإيصال المساعدات، ولم تكن قادرة على وضع يد قراراتها على فوهات البنادق لتُسكت، وهي أيضاً خيّبت عشم من كان ينتظر الشرعية في "نيالا"، ومباركة أولى خطوات التقسيم على أساس قرارات البندقية.

وعجلة "الشيطان" هي التي تخطف من صدر تسريبات جلسة مجلس الأمن والسلم الإفريقي، قبل صدور متن بيانه الرسمي، رغائب عودة السودان للجلوس على المقعد المكتوب عليه (Sudan)، والذي ظل شاغراً منذ ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، وهذا ما لم تُشفع فيه حتى تشكيل حكومة برئيس وزراء مدني بَشَّرَ بالأمل في زمن الحرب، ليبقى الوضع كما هو عليه برصاص مستمر، وأرواح تحصدها الحرب في السودان، ولن يُقِرّ الاتحاد الإفريقي بفشل كل واجهاته التنفيذية بالاضطلاع بالمهام الموكولة إليها، وأن كل ما يحدث في الاجتماعات العادية والطارئة هو عبارة عن "احتيال دبلوماسي" على شعوب القارة، وأدوات تجميل رديئة الصنع لقُبح صار معتمداً في وجه المنظمات الدولية.

نتائج على الورق
والدبلوماسيون لا تعجزهم اللغة ولا تنقصهم الحيلة في مخاطبة أشواق المنتظرين، ولذلك جاءت التصريحات لتخاطب الخيال عبر الورق، بالقول: "حرصاً على سيادة السودان وسلامة أراضيه"، غضّ النظر عن التدويل الذي حدث في حرب السودان، وحرب الأجندات الدولية الفاضحة فيه.

أكّد الاجتماع بأنه عجز حتى عن تحقيق هدنة إنسانية لمدة أسبوع تُمكِّن أهل الفاشر من تغيير وجبة "الأمباز" بأخرى تحترم إنسانيتهم، أو حتى حماية المدنيين من الانتهاكات، أو حتى إلزام حملة السلاح بوقف إطلاق النار امتثالاً لعشرات الدعوات بذلك، ولم يغادر المجلس نقطة قرار الاتحاد بتجميد عضوية السودان، على الرغم من سماع صوت السودان داخل القاعة لأول مرة منذ العام ٢٠٢١م، مطالباً برفع التقييد عن عضويته، ليخرج المجتمعون وكأن شيئاً لم يكن.

معرض الصور