تم التحديث: ٠ ديسمبر ٠٠٠٠ 00:00:00

كهرباء السودان: ``أحمال زائدة`` على أكتاف الشعب
وفي التقليد الوزاري المُتّبع لدى النظام السابق، كانت وزارات الخدمة كالصحة والتعليم ــ وعلى أهميتها ــ موضوعة في خانة المحاصصات السياسية، ولا يتردد مُصدِر القرار في أن يضعها لقمة في فم أيّ متهافت على الكراسي الوزارية، فشهد القطاعان المشار إليهما كنموذج انهيارًا فادحًا عانى منهما الشعب السوداني، ودفع فاتورة العلاج والتعليم قهرًا لسنوات طوال.
كان قطاع الطاقة، والكهرباء على وجه الخصوص، قطاعًا سياديًا وأمنًا قوميًا وكراسيّه والوظائف التنفيذية فيه محفوظة ومُحتكَرة لأبناء النظام، وجرت فيه عمليات تجريف واسعة للمتخصصين من أصحاب الكفاءات، وإحلال سياسات التمكين في هذا القطاع الخدمي والحيوي الكبير. إلا أنه، وعلى رغم هذا "الاهتمام"، ظل هذا القطاع يشهد تدهورًا مريعًا في خدمات الكهرباء، وأعمل فيه النظام كل سياسات التحايل على متلقي الخدمة، كان آخرها ارتفاع تكاليف الإنتاج لتضع الدولة فاتورة إضافية على أكتاف المواطن، الموقّع على عقد الإذعان بينه وبين الحكومة، ليشتري خدمة رديئة وغير مستقرة؛ مرة بحجج الإطماء وارتفاع مناسيب النيل، ومرات بحجة نقص المناسيب أو ارتفاع فاتورة الوقود.
لينتج العقل الحكومي عادةً عن حلول العاجزين برفع الدعم، تبريرًا لتضخم فاتورة الكهرباء، كان آخرها قبل الحرب، وكأن هذه الخدمة من "الكماليات" التي لا يستحقها المواطن السوداني، ولإرغام أنف المواطن للعضل الحكومي، تفتّقت العقلية الجبائية للموظف الحكومي عن ربط فاتورة الكهرباء بتحصيل فاتورة المياه، ليدفع المواطن قهرًا للخزانة العامة.
الحرب شماعة الفاشلين
ولن تتعامى أقلامنا عن الذي حاق بقطاع الكهرباء في المدن التي كانت مسرحًا لحرب التخريب، والذي تتطابق فيه الآراء بأنه لم يكن تخريبًا همجيًا لحانقين يحملون السلاح، أو بعض مجرمين أخذتهم رغباتهم للسرقة.
ما حدث ــ وبحسب إحصاءات قدمتها الوزارة في أكثر من مرة ــ كان تدميرًا ممنهجًا ومدروسًا، ويكشف عن خبرة تم التعامل بها في عملية التخريب لبنية النقل والتوزيع في قطاع الكهرباء، وأن معركة أخرى كانت تدور ضد ممتلكات الدولة في هذا القطاع، ولم تسلم منها حتى السدود والمحطات التحويلية وأبراج النقل للضغط العالي، وخرج "النحاس" المسروق على عينك يا حرب، ليُباع في أسواق الطلب السريع.
كل هذا، هنالك اتفاق على تأثيراته على إمدادات التيار الكهربائي واستقراره، لولا تطاول الأمر وامتداده حتى لمناطق باردة لم تسمع صوت الرصاص، ومناطق سيطرت عليها الحكومة قبل شهور، ومع ذلك لم تشهد أي تحسّن في الخدمة.
العقل المحدود في التفكير دفع المسؤولين في ولاية نهر النيل لحلول "البصيرة أم حمد"، بحماية المحطة التحويلية من المسيّرات بالحاويات، التي أنابت بسقوطها عن المسيّرات، ووفرت على العدو الذخيرة.
وعلى ما يبدو، فإن العقل الحكومي ينتظر توقف الحرب لتحل له صناديق الإعمار والمعونات ما أفسدته الحرب في هذا القطاع الحساس، دون أدنى اكتراث لضحايا انعدام خدمات الكهرباء في المستشفيات، وموت مرضى الكُلى، والعجز الكامل عن تشغيل المواعين الصحية، وكأنما الحرب مبرر كافٍ لاسترخاص روح المواطن، وكأنها الحرب الأولى في العالم، والنماذج أمامنا لا تتنصل فيها الدولة عن مسؤولياتها تجاه المواطنين، ولا تتعلل بالحرب لترفع يدها عن خدمات ضرورية يحتاجها المواطن.
تدهور مريع
وبينما العالم يتطور من حولنا، ويقلب في علوم الطاقة البديلة والمتجددة، واستخدامات محطات الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء، يقف العقل الرسمي عندنا عند عقبة فاتورة التشغيل الحراري لمحطات التوليد، وتوفير تكلفتها من القطاع الصناعي والسكني، الشيء الذي فاقم من تأثيرات هذا الاختلال، وضاعف العبء على المواطن.
ينام المسؤولون في هذا القطاع الخدمي الحساس على وسادة ما فعلته الحرب، ولا يقرأ الواحد فيهم عن النهضة التي شهدتها دول الجوار في ذات القطاع.
كان من المتاح جدًا، وعبر بروتوكولات التعاون المشترك، أن يستفيد هذا البلد ومواطنه من الإمداد الكهربائي والربط الشبكي، لولا الكسل الحكومي وتقاعسها عن أي شيء يخدم المواطن.
جمهورية مصر القريبة لا يعلم المسؤولون في كهرباء السودان، ولم يطّلعوا ــ على الأقل ــ على خطتها لتصبح مصر محورًا عالميًا للطاقة، وتحقيق احتياطي وصل إلى ١٥ ألف ميغاواط يمكن التصدير منها. وكذلك لم تغب إثيوبيا عن مضمار سباق إنتاج الطاقة المؤثرة على الزراعة والصناعة، ويأتي السودان ليقدّم أسوأ تجربة في قطاع خدمي يمثل عصب الحياة للمواطن.
لم يسأل أحد، ولم تمارس الدولة مسؤولياتها الرقابية في السباق الذي دخلت فيه شركات الكهرباء بمسمياتها المختلفة و"المُختلقة"، للدخول في موسوعة غينيس للأرقام القياسية بعدد مرات حالة "الإظلام التام" وخروج المحطات عن الخدمة لأسباب مكررة، وحجج لا يقبلها العقل العارف بالتفاصيل الفنية.
لم ولن تمر على هذا البلد ظروف مثالية حتى تقوم الدولة، ممثلة في قطاع الكهرباء، بمسؤولياتها تجاه المواطن المتضرر من سوء الخدمة؛ فما أن تنتهي الحرب سيعود مسؤولو الكهرباء إلى حججهم الواهية القديمة، إما بارتفاع المنسوب أو انخفاضه، أو ارتفاع تكاليف التشغيل، لتضيف أصفارًا جديدة في الفاتورة، يدفعها المواطن مقدمًا ولا يجد مقابلها الخدمة الضرورية.
خطة الهروب
تراكمت خبرات المواطن السوداني، وباتت لديه دراية كاملة بالنوايا الرسمية للهروب من مسؤولياتها، كما فعلت في الصحة والتعليم، ولن يطول الانتظار حتى نسمع بخبر الابتزاز الذي يقول بخصخصة القطاع، وآيلولته لسوق طحن المواطن السوداني بالفواتير.
خطة الهروب هذه، هي حيلة العاجز عن الاضطلاع بمهام خدمة المواطن السوداني في عز هجير الحرب والصيف، ليتلاعب به غول السوق في أسعار مولدات الكهرباء ووقودها، وأسعار منظومات الطاقة الشمسية التي كان من الواجب أن تكون مشروع دولة، وعلاقة تكاملية مع المواطن في استهلاكه الخاص، ومساهمته في الشبكة القومية، والتي كان من الممكن أن تُنزل من على كتفها عبء القطاع السكني بالكامل، وينال القطاع الصناعي والزراعي ما يمكّنه من تعظيم إنتاجه بتكلفة فواتير أقل من التي يصدرها الجشع الحكومي.
نعم، الدولة في حالة حرب، وهذا ليس الحدث الذي يُبطل "وضوء" الواجب الحكومي في قطاع حساس وخدمي يمس حياة المواطن بشكل مباشر، ولا هو الماء الغائب الذي يبيح التيمم. هي في الأصل معركة يجب أن يخوضها المسؤولون في القطاع بشرف الجندية، دون أي امتنان على المواطن الذي بات يحمل كل أثقال الحرب على أكتافه، وأثقال التنصل الرسمي من المسؤوليات.
الحوجة لأفكار بدلًا عن المبررات
ولو شاءت الأقدار أن تستمر هذه الحرب لفترات أطول، فهل على المواطن السوداني التعايش مع أوضاع صنعت الحرب نصفها، وأكمل الكسل الحكومي نصفها الآخر؟ والقبول بحزمة المبررات الجاهزة، دون أفكار خلاقة تتعامل مع الأزمات وتنتج الخطط والحلول البديلة لـ"الأحمال الزائدة" على أكتاف شعب جردته الحرب من الحدود الدنيا لأسباب الحياة؟
ينظر المسؤولون لخدمة الكهرباء وكأنها "رفاهية" ليس من حق المواطن المطالبة بها، لأن الدولة في حالة حرب، وعليه أن يبحث عن حلول بديلة، لأن العقل الرسمي مشغول بما هو أهم، وتتهرب دواوين الخدمة المدنية والمتكدسون داخلها من أي مسؤوليات تجاه المواطن السوداني.


