تم التحديث: ١٦ مايو ٢٠٢٦ 19:59:45

منظمة اطباء بللا حدود
مخيمات النازحين في دارفور تواجه انهياراً صحياً وإنسانياً، والمنسقية تحذر من مأساة منسية
الأصمعي باشري
في ظل صمت دولي مقلق، تتسارع وتيرة الانهيار الصحي والإنساني داخل مخيمات النازحين واللاجئين في السودان، حيث تحولت الملايين من الأسر إلى رهائن للجوع والمرض ونقص أبسط مقومات الحياة، وفق ما كشفته المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين في بيان صحفي صدر اليوم 16 مايو 2026.
وقالت المنسقية إن الأوضاع في المخيمات المنتشرة عبر ولايات السودان المختلفة، وخاصة في إقليم دارفور، تجاوزت مرحلة التحذير لتدخل مرحلة الخطر المحدق. وأوضحت أن نقص الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية الأولية حول هذه التجمعات إلى بؤر نشطة لتفشي الأمراض المعدية وسوء التغذية الحاد، مع تركيز الخطر الأكبر على الأطفال والنساء الحوامل.
وبحسب البيان، فإن منطقة جبل مرة تشهد حالياً موجة تفشٍ مقلقة لعدة أمراض. فقد سجلت الفرق الميدانية أكثر من 200 حالة مشتبه بإصابتها بجدري القرود، الغالبية العظمى منها من الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم خمس سنوات. كما رصدت المنسقية 259 حالة مشتبه بها بالسعال الديكي، إلى جانب 116 حالة أخرى لأمراض معدية لم يتم تحديدها بدقة بسبب غياب المختبرات ووسائل التشخيص.
ويأتي هذا التفشي في ظل انعدام شبه كامل للأدوية الأساسية والمراكز الصحية المؤهلة، مما يجعل التعامل مع أي وباء أمراً مستحيلاً على أرض الواقع. وأشارت المنسقية إلى أن الملاريا والإسهال والتهابات الجهاز التنفسي تنتشر كالنار في الهشيم داخل الخيام المكتظة، حيث يعيش عشرات الآلاف في ظروف تفتقر لأدنى معايير النظافة والتباعد.
لم تتوقف الأزمة عند الأمراض المعدية. فسوء التغذية الحاد ينهش أجساد الأطفال، حيث يعاني آلاف منهم من الهزال الحاد وفقدان الوزن السريع، في مشهد بات مألوفاً في مراكز التغذية المنهارة. أما النساء الحوامل والمرضعات، فيواجهن خطر الموت أثناء الولادة أو بعدها بسبب نقص التغذية ونقص الرعاية التوليدية الطارئة.
ويزيد الوضع تعقيداً اعتماد النازحين على مصادر مياه ملوثة، غالباً ما تكون بركاً راكدة أو آباراً غير محمية، مما يفاقم حالات الإسهال والأمراض المعوية ويزيد من إضعاف المناعة لدى السكان المنهكين أصلاً.
وحذرت المنسقية من أن التداعيات لا تقتصر على الجانب الجسدي. فالجوع المستمر والخوف اليومي وفقدان الأمان خلفوا آثاراً نفسية واجتماعية مدمرة على الأسر. أطفال بلا مدارس، وأمهات بلا علاج، وآباء بلا عمل، كلها عناصر تشكل قنبلة موقوتة تهدد مستقبل جيل كامل نشأ على النزوح والحرمان.
واعتبر البيان أن ما يجري ليس مجرد أزمة إنسانية محلية يمكن احتواؤها، بل هو إنذار صارخ بانهيار إنساني شامل إذا لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل عاجل. ورأت المنسقية أن استمرار تجاهل هذه المأساة يرقى إلى مستوى التواطؤ الأخلاقي والقانوني، ويضع مسؤولية مباشرة على عاتق الدول والمنظمات الدولية.
واختتم البيان بسلسلة مطالب محددة وجهتها المنسقية للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والمنظمات الإنسانية العاملة في السودان. وشملت المطالب إرسال قوافل إغاثة عاجلة تحمل الغذاء والدواء والمياه النظيفة إلى المخيمات المنكوبة، وإجراء تحقيق دولي مستقل في الانتهاكات والظروف التي أدت إلى هذا الانهيار.
كما دعت إلى ممارسة ضغط دولي فعلي على الأطراف السودانية المتحاربة للالتزام بتعهداتها بموجب القانون الدولي الإنساني، وضمان وصول المساعدات دون عوائق، وحماية المدنيين النازحين من الاستهداف والعنف الممنهج.
وقال آدم رجال، المتحدث الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين، إن "صمت العالم إزاء هذه الكارثة يُعد تواطؤًا في الجريمة نفسها". وأضاف أن "النازحين في السودان يستحقون أن يُنظر إليهم كبشر لهم حقوق، لا مجرد أرقام في تقارير تُحفظ في الأدراج".
وتأتي هذه المناشدة في وقت تشير فيه تقديرات أممية سابقة إلى نزوح أكثر من 9 ملايين شخص داخل السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، في أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم حالياً. ومع اقتراب موسم الأمطار، تخشى المنظمات الميدانية من تفاقم الوضع وتحوّل المخيمات إلى مناطق كارثة وبائية حقيقية.

