تم التحديث: ١٣ يناير ٢٠٢٦ 22:14:40

مراقب اقتصادي: الموازنة ليست خطاباً سياسياً بل عقد مالي مع المواطن
مواطنون
قلل مراقب اقتصادي من تصريحات رئيس الوزراء، كامل إدريس، التي بدت متفائلة في خطابه عقب إعلان عودة الحكومة لمباشرة أعمالها من العاصمة الخرطوم مطلع الأسبوع الجاري.
وقال الاقتصادي ومنسق منتدى مراقبة الموازنة العامة، عبد العظيم محمد، في حديثه لـ"مواطنون" إن التفاؤل وحده لا يصنع اقتصاداً، وأن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس نقص الوعود بل غياب الصدق المالي والوضوح والاعتراف بحجم الأزمة والعمل عليها بخطوات واقعية قابلة للقياس.
وأشار إلى أن الوعود الاقتصادية لا قيمة لها دون أرقام واضحة ومصادر تمويل محددة وجدول زمني معلن وآليات مساءلة شفافة "فالموازنة ليست خطابا سياسيا بل عقدا ماليا مع المواطن".
وكان رئيس الوزراء، أشار في خطابه، إلى أن الحكومة قدمت ميزانية الدولة لعام 2026 دون فرض أعباء مالية إضافية على المواطنين، مضيفاً أنها تهدف إلى خفض معدل التضخم إلى 70%. وقال إن الميزانية تسعى أيضاً إلى رفع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 10% وكبح جماح أسعار الصرف في السوق الموازية، وذلك في إطار الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
وقال عبد العظيم إن هذه التصريحات تعكس في جوهرها طموحات سياسية أكثر من كونها برنامجا اقتصاديا قابلا للتنفيذ. وأوضح أن الحديث عن خفض التضخم أو رفع النمو أو استقرار سعر الصرف يفترض أولاً وجود دولة مستقرة ومؤسسات عاملة وموارد حقيقية وهو ما لا يتوفر في الواقع الحالي.
من جهته كشف وزير المالية، جبريل إبراهيم، في لقاء له مع الوكالة الفرنسية للأنباء، اليوم، أن الدولة فقدت كل مصادر إيراداتها بداية الحرب، عندما سيطرت قوات الدعم السريع على العاصمة الخرطوم ومحيطها.
وذكّر بأن "معظم الصناعات والشركات الكبرى والنشاط الاقتصادي برمته كان يتركّز في وسط السودان"، مشيراً إلى أنه "كان يساهم بنحو 80 % من إيرادات الدولة".
وأكد الوزير أن الاقتصاد السوداني يشهد "مرحلة بالغة الصعوبة" بفعل الدمار والنفقات العسكرية وتراجع إيرادات الذهب والنفط جرّاء الحرب المتواصلة منذ نحو ثلاث سنوات.
يقول عبد العظيم في حديثه لـ"مواطنون" إن الحديث عن التضخم يظل في إطار إدارة الأزمة ما لم تترافق الميزانية مع كبح حقيقي لتمويل العجز عبر طباعة النقود وضبط فعلي للإنفاق العام خاصة الإنفاق العسكري. وأضاف بأن خفض التضخم لا يتحقق بالتصريحات وإنما بسياسات نقدية ومالية منسقة وإيقاف التمويل بالعجز وإصلاح النظام الضريبي وهي قضايا لم يتم توضيح كيف ستعالج في ظل الحرب وتآكل الإيرادات.
واعتبر استهداف الموازنة العامة خفض التضخم إلى 70% هو اعتراف ضمني، من الناحية الفنية، بأن الاقتصاد ما زال في نطاق التضخم الجامح وقال "حتى في حال تحقق الهدف تبقى النسبة مرتفعة جدا ولا تعكس حالة استقرار اقتصادي.
وحول حديث رئيس الوزراء عن تحقيق نمو في الناتج المحلي بنسبة 10%، قال عبد العظيم إن ذلك لا يبدو واقعياً في ظل بنية تحتية مدمرة واقتصاد مشلول في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات إلى جانب النزوح الواسع للسكان، " ما لم يسبقه وقف فعلي للحرب وإعادة تشغيل الإنتاج وحماية القطاع الخاص".
وأوضح أن الحديث عن كبح جماح السوق الموازي لسعر الصرف يتطلب توحيد فعلي لمراكز القرار الاقتصادي وضمان موارد حقيقية من الصادرات أو دعم خارجي مستدام. ونبه إلى أن السوق الموازية ستظل هي الحاكم الفعلي والمؤشر الأكثر واقعية لحالة الاقتصاد باعتبارها ليست مجرد ظاهرة نقدية وإنما انعكاس مباشر لانعدام الثقة في السياسات المالية والنقدية.

