حوار

تم النشر بتاريخ: ٣ مارس ٢٠٢٦ 19:15:30
تم التحديث: ٣ مارس ٢٠٢٦ 19:23:56

الصورة: مشهد داخل وحدة العناية المركزة بمستشفى طويلة - MSF

رعاية الأطفال شديدي المرض في مخيم طويلة -1-

متابعات ـ مواطنون
المصدر: Médecins Sans Frontières أستراليا
انضمت الدكتورة جوزفين غودير إلى استجابة منظمة أطباء بلا حدود في شمال دارفور بصفتها طبيبة أطفال في مستشفى طويلة خلال النصف الثاني من عام 2025، حيث شهدت معاناة شديدة بين أناس انقلبت حياتهم رأساً على عقب بسبب الحرب المستمرة في السودان. وكما تصف جوزفين في الجزء الأول من شهادتها، فإن الفجوات في النظام الصحي بالمنطقة خلقت تحديات كبيرة لتلبية احتياجات الأطفال.

ما كانت مهمتكِ؟ ماذا طُلب منكِ، وكيف كان شعوركِ حيال ذلك؟
كنت أتوقع سياقاً هائلاً، باحتياجات طاغية، وأكبر أزمة إنسانية في العالم.

كانت تلك المرة الأولى التي أعمل فيها ضمن هذا النوع من السياقات، وفي مشروع طوارئ. أجريت نقاشات عديدة مع فريق الموارد البشرية الدولية في أطباء بلا حدود أستراليا، وكذلك مع نقطة الاتصال الأمنية في أطباء بلا حدود فرنسا. كان هناك الكثير للقراءة والكثير لاستيعابه. وجدت المعلومات صادمة، نظراً للتاريخ الطويل والمعقد للنزاع في السودان.

وكان الأمر أكثر صعوبة لكوني امرأة، إذ تضمن التقييم الأمني معلومات إضافية حول دور النوع الاجتماعي في المخاطر الأمنية وفي سياق النزاع المستمر.

لكن في الأساس، شعرت بأننا جميعاً نرغب في العمل في المجال الإنساني حيث تكون الحاجة أكبر، وحيث نستطيع أن نرى ونلمس الأثر بشكل أوضح.

كيف كان الوضع في طويلة عند انضمامكِ؟
كان من المقرر أن أكون واحدة من أربع نساء: موظفتان دوليتان متنقلتان وموظفتان سودانيتان تقيمان مع الفريق الدولي. كنا نقيم إلى جانب 16 رجلاً في طويلة، في سكن بسيط نسبياً. طلبت الكثير من المعلومات قبل السفر، لأفهم ظروف المعيشة.

كنت أعلم أن لدي غرفة خاصة، مع حمامات ومرافق استحمام مشتركة، ومن دون تكييف هواء. كنت أعلم أن الطقس سيكون شديد الحرارة، وأن غالبية عمل طب الأطفال سيركز على حالات سوء التغذية الحاد الوخيم. كما كان هناك تفشٍ حالي للحصبة، وكنا مقبلين على موسم الأمطار وذروة انتشار الملاريا.

كان جزء من الرعاية يتم داخل مباني المستشفى، وجزء آخر في ما أسميه “قسم خيام الأطفال”، الواقع عند بوابة المستشفى الرئيسية.

وللوصول إلى الخيام كان عليك المرور بين بعض الحمير، لتجد منطقة تضم نحو ثماني خيام، تمتلئ جميعها بالأطفال فور توفير الأسرّة.

كنت أعلم أيضاً أن نسبة إشغال الأسرّة تمثل تحدياً كبيراً. عند تلقي الإحاطة، كانت نسبة إشغال أسرّة الأطفال تبلغ نحو 150 في المئة خلال الشهر السابق.

الصورة: أكبر مخيم للنازحين في طويلة - MSF

هل كانت طويلة مدينة قائمة قبل وصول هذا العدد الكبير من النازحين؟ ولمن نقدم الرعاية، وما هي ظروف المعيشة؟
لم تكن طويلة في الأصل مخيماً للنازحين. نحن نقدم الرعاية للمجتمع المضيف ولمجتمع إقليمي زراعي. يختار المزارعون توقيت مجيئهم إلى المدينة، وفي موسم الأمطار يزداد انشغالهم بالزراعة. لذلك كنا نستقبل في كثير من الأحيان أطفالاً في مراحل متقدمة جداً من المرض، إذ قد يستغرق وصولهم إلينا أسبوعاً سيراً على الأقدام من مزارعهم، وهم يعانون من الملاريا والتشنجات وسوء التغذية الحاد الوخيم.

وتستضيف طويلة وضواحيها مخيمات ضخمة للنازحين داخلياً، أغلبها من الخيام أو منشآت خشبية بسيطة لتوفير مأوى. وعلى الطرقات المؤدية خارج طويلة، ترى أعداداً كبيرة من الناس يسيرون على الأقدام، أو على ظهور الحمير وعرباتها، أو على الجمال، حاملين ما يبدو أنه ممتلكاتهم في حقائب كبيرة، في حركة نزوح مستمرة.

وكان معظم الموظفين السودانيين الذين عملت معهم نازحين أيضاً، وكثير منهم يعيش في ظروف صعبة نسبياً.

كيف كانت الأيام النموذجية، وكيف كان تنظيم العمل؟
كان يومي يبدأ عادة باجتماع مع فريق الليل، حيث يُطلع الفريق السوداني زملاء النهار – من التمريض والأطباء – على أي تعقيدات أو صعوبات حدثت خلال الليل، مثل انقطاع المياه أو الكهرباء، وعدد حالات الإدخال الجديدة.

ثم أشارك في جولة طبية تبدأ إما بقسم حديثي الولادة أو بالعناية المركزة للأطفال، بحسب مكان وجود المرضى الأشد خطورة. وبعد الانتهاء، أتنقل إلى القسم الآخر، ثم ألتقي بأعضاء الفريق السوداني المسؤولين عن أقسام الأطفال المختلفة.

كانت الإمكانات التشخيصية محدودة جداً في طويلة، كما ورد في الإحاطة. لم يكن لدي أي وصول للتصوير الطبي سوى الموجات فوق الصوتية عند نقطة الرعاية، ولا مختبرات تشخيصية تقليدية، بل اختبارات سريعة فقط.

وكانت فترة ما بعد الظهر مخصصة لمراجعة الحالات الأشد خطورة مجدداً، مع بعض جلسات التعليم والتدريب المشترك بين التخصصات، واستخدام الموجات فوق الصوتية عند نقطة الرعاية، إضافة إلى الاستشارات الطبية عن بُعد لدعم الحالات المعقدة. ومن خلال هذه الخدمة، يمكن استشارة اختصاصيين دوليين متطوعين، مثل أطباء قلب الأطفال وخبراء الأمراض المعدية، عبر منصة آمنة خاصة بأطباء بلا حدود.

من كانوا الأطفال الأشد مرضاً؟ وذكرتِ أن هناك ثماني خيام، كم كان عدد الأسرّة في كل خيمة؟
أتذكر أسبوعاً بعينه، كنا نتحدث فيه كل صباح عن الأعداد قبل بدء العمل.

في ذلك الأسبوع كان لدينا نحو 70 طفلاً في مركز التغذية العلاجية الداخلي، بسعة 45 سريراً فقط، أي ما يعادل 68 حالة إدخال. وفي أقسام الأطفال الثلاثة – داخل الخيام – كان هناك 58 طفلاً على 45 سريراً. كما خصصنا خيمة للحصبة.

وفي إحدى الليالي استقبلنا 11 طفلاً مصابين أو يُشتبه بإصابتهم بالحصبة، وهو ارتفاع كبير مقارنة بالمعدل المعتاد الذي كان بين أربع وخمس حالات يومياً.

وفي وحدة حديثي الولادة التي تضم سبعة أسرّة فقط، كان لدينا 18 رضيعاً، بينهم توائم عدة كانوا يتشاركون السرير أحياناً، مما خفف قليلاً من ضغط الإشغال. ومع ذلك، كانت الأقسام الأخرى، بما فيها أقسام البالغين، تعمل فوق طاقتها الاستيعابية.

وخلال وجودي، فعّلنا خطة الاستجابة للحوادث الجماعية بعد يوم واحد فقط من إجراء محاكاة لها، مع تزايد أعداد الفارين من الفاشر ووصولهم إلى طويلة.

تعامل الفريق الجراحي والتخديري الدولي وزملاؤهم السودانيون مع معظم حالات الإصابات البليغة. أما أنا، فكنت أتابع حالات إصابات الأطفال بعد العمليات، إضافة إلى الكسور البسيطة وغيرها من الإصابات.

كان الأطفال الأشد مرضاً يعانون غالباً من مزيج من سوء التغذية الحاد الوخيم والملاريا الدماغية الشديدة جداً.

ومن الناحية الطبية، كان الأمر مثيراً للاهتمام سريرياً، إذ لاحظت تحسناً كبيراً في نتائج الأطفال الذين عولجوا من سوء التغذية الحاد الوخيم والملاريا الدماغية، من خلال تحسين التعرف على نوبات التشنج وتشخيص حالة الصرع المستمر سريرياً.

وكان التحدي أن نسبة كبيرة من هؤلاء الأطفال تبقى فاقدة للوعي لأيام، أحياناً لقرابة أسبوع، مع فترات قصيرة من نوبات يمكن ملاحظتها سريرياً. ولاحظت فرقاً كبيراً في تحسن مستوى الوعي لديهم عند إعطائهم أدوية مضادة للصرع بشكل منتظم.

معرض الصور