تأتي حادثة الانتهاكات والاستغلال التي طالت لاجئيات سودانيات في معسكرات اللجوء يدول تشاد، في تناص مكتمل الأركان مع رواية "الرجل الأبيض" للكاتب توني ديسوزا، "> moatinoon.com تأتي حادثة الانتهاكات والاستغلال التي طالت لاجئيات سودانيات في معسكرات اللجوء يدول تشاد، في تناص مكتمل الأركان مع رواية "الرجل الأبيض" للكاتب توني ديسوزا، "> تأتي حادثة الانتهاكات والاستغلال التي طالت لاجئيات سودانيات في معسكرات اللجوء يدول تشاد، في تناص مكتمل الأركان مع رواية "الرجل الأبيض" للكاتب توني ديسوزا، " />

تم النشر بتاريخ: ١٨ يونيو ٢٠٢٦ 10:37:42
تم التحديث: ١٨ يونيو ٢٠٢٦ 15:02:43

فضيحة أطباء بلا حدود: إضاءة الزاوية العمياء لمسار العمل الإنساني في حرب السودان

مواطنون

نقلاً عن "ألترا صوت"
تأتي حادثة الانتهاكات والاستغلال التي طالت لاجئيات سودانيات في معسكرات اللجوء يدول تشاد، في تناص مكتمل الأركان مع رواية "الرجل الأبيض" للكاتب توني ديسوزا، وإن كان الأمر لا يتعلق بالعرق واللون في هذه الانتهاكات فالمتورطون فيها من كافة الأعراق والألوان. وتكشف الرواية كيف يمكن للعمل الإغاثي الغربي أن يتحول إلى غطاء للهروب الشخصي، والبحث عن المغامرة، أو ممارسة السلطة والاستعلاء الثقافي تحت مسمى "الخير".

وهي ليست الحادثة الأولى التي تكشف الجانب المظلم للعمل الإنساني الذي يلازم الحروب والأزمات، ولن تكون الأخيرة في مسيرة البشرية. ولكن قدر لها أن تطفو إلى السطح لتسجل ضمن فضائح الانتهاكات التي تتم تحت غطاء الحماية والإنسانية وسط الفئات الهشة والتي تبحث الأمان النفسي والبدني.

حدث ذلك بعد أن لعبت الصحافة دوراً مركزياً في أن تتعامل منظمة أطباء بلا حدود مع المعلومات التي أوردها تحقيق صحفي لوكالة "أسوشيتد برس" منذ عامين، عن الانتهاكات والاستغلال الجنسي مارسها موظفون محليون وأجانب شملت مقايضة الطعام والوظائف بالجنس مع لاجئات نزحن من السودان بسبب الحرب طلباً للحماية، وهن الهاربات أصلاً من جحيم الحرب والانتهاكات وعلى رأسها الاغتصاب الذي واجهنه أثناء اجتياح المدن والقرى.

حادث مؤسف
التحقيق الذي أجرته المنظمة، استمر لقرابة العام كشف عن وجود 59 انتهاكاً محتملاً، وتم بموجبه فصل 18 موظفاً ومنعهم من العمل مستقبلاً مع المنظمة.

وعبر المختص في شؤون المنظمات الدولية، د. صلاح الأمين، عن أسفه لما حدث في معسكرات اللاجئين السودانيين بتشاد من انتهاكات، وقال إن اللاجئات السودانيات هربن من جحيم الحرب بحثاً عن الأمان والغذاء والعلاج، وللاسف وجدن الاستغلال في المكان المفروض يكون ملاذ لهن. ووصف تلك الحادثة بالانتهاك المزدوج لكرامة إنسانية منهارة أصلاً بسبب الحرب.

وقال إن الذي حدث ليس خطأ فردي، وإنما فشل منظومة حماية كاملة، ووصف العمل الإنساني بلا أخلاق بـ"الجريمة بلباس أبيض".

وقال عضو في غرفة الطواريء السوداني إن هذه القضية تسلط الضوء على التحديات التي تواجه اللاجئين والنازحين السودانيين في دول الجوار، خاصة في ظل أوضاع إنسانية معقدة ونقص الموارد وضعف آليات الرقابة والحماية داخل بعض المخيمات. ويشير إلى أن الحادثة أعادت طرح تساؤلات حول ضرورة تعزيز أنظمة المساءلة والرقابة في المؤسسات الإنسانية، وتوفير قنوات آمنة وسرية للإبلاغ عن الانتهاكات، وضمان وصول المساعدات إلى المستحقين دون أي شكل من أشكال الاستغلال أو الابتزاز.

وأكد على أن حماية كرامة اللاجئين وحقوقهم يجب أن تكون جزءاً أساسياً من أي استجابة إنسانية، وأن أي تجاوزات تستوجب تحقيقات شفافة ومحاسبة قانونية عادلة للمتورطين.

نمط متسلسل لحوادث شبيهة
تحيلنا أخصائية الطب النفسي، د. ناهد محمد الحسن، إلى حقيقة أن هذا النمط من السلوك قائم على قدرة الفرد في تجاوز النظام الأخلاقي. وأن هناك حقيقة علمية تُعرف باسم "الانفصال الأخلاقي"، وتعني أن فكرة الاعتداء، رغم وجود النظام الأخلاقي، تحتاج إلى تبرير عقلي وإلى خلق حالة من التناقض بين الخطأ والصواب. وبحسب حديثها تعتقد ناهد أن المنظمات، بوصفها فكرة إنسانية، ركزت على أداء دورها الإنساني، لكنها أغفلت احتمال استغلال بعض الأفراد لهذا الدور، كما أغفلت بناء أنظمتها الرقابية الكفيلة بالحد من مثل هذه التجاوزات.

لذلك يبدو ما حدث للنساء والفتيات السودانيات في معسكرات اللاجئين في تشاد، كنمط متسلسل طالما ارتبط بالفرد وبضعف أو غياب النظم الرقابية والالتزام بلائحة السلوك التي تحكم عمل الفرد بأي مؤسسة.

وتقول الناشطة النسوية، ويني عمر، إن النساء يعشن في معسكرات اللجوء في سياق هش تغيب فيه أساسيات الحياة، مما يشكل وضعا يسهل فيه استغلالهن، تتضاعف هذه المخاطر مع غياب آليات الحماية والتبليغ والوقاية من الاستغلال والعنف الجنسي، أو تجاهل المنظمات لها ومحاولتها للتغطية عليها.
واشارت إلى تجربة أوكسفام في هايتي، عندما كُشف عن حالات استغلال جنسي للنساء هناك في سياق ما بعد الزلزال المدمر في 2010. وقالت إن هذا نمط متكرر يستغل فيه العاملون في السياقات الإنسانية الموارد والسلطة التي لديهم في استغلال النساء والفتيات القاصرات.
وتعتقد ويني أن هنالك حاجة متزايدة لأن تطور المجتمعات نفسها آليات رقابة وتبليغ، لتعمل بالتوازي مع الآليات التي يفترض وجودها لدى المنظمات التي تعمل في سياق المساعدات الانسانية، لضمان سرعة التبليغ وعدم تجاهل المنظمات لهذه الشكاوى والانتهاكات.

ففي عام 2002، كشف تقرير مشترك بين "منظمة إنقاذ الطفولة" والمفوضية السامية للاجئين، وثق مقايضة فتيات بعلب حليب وبسكويت مدعم. واعتبر وقتها أحد أضخم وأخطر الفضائح الأخلاقية في تاريخ العمل الإنساني الحديث، وعُرفت رسمياً بفضيحة "الجنس مقابل الغذاء" في غرب أفريقيا. استند التقرير الذي غطى دول غينيا وليبيريا وسيراليون، إلى شهادات أكثر من ألف شخص بينهم مئات الأطفال، وكان ضحايا تلك الانتهاكات أطفال وفتيات قصر، إذ استغل عمال الإغاثة حاجة اللاجئين للمساعدات الموجهة إليهم أصلاً كوسيلة ابتزاز للحصول على الجنس. ووثق التقرير مقايضة أجساد الفتيات مقابل علب الحليب والبسكويت والقمح وحتى الحصول على الرعاية الطبية.

وعقب الزلزال المدمر في هايتي عام 2010 كشفت تحقيقات داخلية أن كبار موظفي منظمة أوكسفام، بمن فيهم مدير العمليات في البلاد، استأجروا بائعات هوى وحضروا "حفلات جنسية ماجنة" في فيلات استأجرتها المنظمة. وتضمنت الشهادات مخاوف من تورط قاصرات. ووُجهت للمنظمة اتهامات بالتستر على نتائج تحقيق عام 2011، والسماح للمتورطين بالاستقالة أو التقاعد دون إبلاغ السلطات المحلية أو المنظمات الإغاثية الأخرى، مما سمح لبعضهم بالحصول على وظائف في مناطق أزمات أخرى.

داخل السودان لم يسلمن
لا تقتصر انتهاكات موظفي العمل الإنساني ومسؤولي الحماية، على الفتيات والنساء السودانيات في معسكرات اللجوء بالخارج، بل هناك العديد من الحوادث التي تكشف مدى استغلال بعض العاملين في مجال العمل الانساني والعاملين في مجال الحماية وتوفير الأمن لأوضاع النازحات في المعسكرات داخل السودان.

وعلي خلفية تقرير منظمة أطباء بلا حدود بفصل عاملين لتورطهم في جرائم تتعلق بالاستغلال الجنسي للاجئات السودانيات في تشاد. تقول الحقوقية، نون كشكوش، على حائطها في فيسبوك إن الفترة الأخيرة شهدت تسجيل أكثر من عشرة حالات لفتيات تعرضن للعنف والاستغلال الجنسي في واحدة من معسكرات اللجوء في الولاية الشمالية.

وتضيف أن أخرى في ولاية النيل الأزرق اشتكت من أن أحد مسؤولي تقديم المساعدات الإنسانية استدرجها إلى أحد المخازن ليستغلها مقابل أن تذهب ببعض الحليب والدقيق لأطفالها الجياع.

وفي مدينة كسلا اتخذت إحدى المنظمات الوطنية قراراً بفصل مسؤول رفيع بفرعها بالمدينة بعد تشكيل لجنة تحقيق معه بخصوص اتهامه بالتحرش بإحدى النازحات إلى المدينة بسبب الحرب. ولا يتوقف الأمر عند حدود العاملين في المنظمات، بل يتعداها إلى الجهات المنية المعنية بحماية اللاجئين والنازحين، إذ يستغل البعض موقعه لممارسة انتهاكات في حق النازحات في ظل غياب الرقابة والنظم الرادعة لمثل هذه التجاوزات.

جانب آخر من المشهد
يقول خبير في مجال العمل بالمنظمات الدولية، فضل حجب إسمه، إن بعض الحالات التي تحدث تكون على عكس انتهاكات العاملين، فهي تأتي خاصة من اللاجئين في دول الجوار. ويستشهد ببعض الأحداث التي كانت اطرافها لاجئات حاولن توريط بعض العاملين في المجال الإنساني والطوعي من أجل تضمين حوادث تحرش تدعم وتسهل إجراءات إعادة التوطين بالنسبة لهن بحجة عدم حصولهن على الأمان في البلد المعني.

تظل الدعوة لوقف الحرب وبسط السلام والأمن هي الحقيقة الأكثر سطوعاً في الحالة السودانية، وهي ما ستدفع بملايين النازحين واللاجئين إلى العودة إلى ديارهم للخروج من هذا النفق. وتبقى الحروب هي قمة الأزمات التي تجري من تحت نيرانها مثل تلك الانتهاكات لما تحلقه من اوضاع هشة يكون الفرد فيها أمام خيارات الخضوع للابتزاز والاستعلال أقرب من قدرته على الصمود في وجهها.

معرض الصور