تم التحديث: ٨ يونيو ٢٠٢٦ 19:59:13

حراك دولي متجدد.. دعم واسع لوقف حرب السودان وانتقال سياسي مدني
مواطنون
في أحدث مؤشر على تنامي الاهتمام الدولي بالأزمة السودانية، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية وبلجيكا وفرنسا وألمانيا واليونان وإيطاليا والنرويج والمملكة المتحدة، إلى جانب الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي ومنظمة إيغاد وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة، دعمها للاستعدادات الجارية لإطلاق عملية حوار سوداني شامل تقوده قوى مدنية، بهدف التوصل إلى مسار سياسي ينهي الحرب المستمرة في البلاد ويؤسس لانتقال مدني مستدام.
وجاء في بيان مشترك صدر عقب مشاورات دولية مكثفة أن الأطراف الموقعة تدعم بصورة عاجلة جهود اللجنة الخماسية المعنية بإطلاق عملية حوار سوداني جامعة خلال الأسابيع المقبلة، على أن تشمل مختلف المكونات المدنية والسياسية السودانية، بما في ذلك منظمات المجتمع المدني والنساء والشباب وممثلي الأقاليم والمجموعات الاجتماعية المتنوعة، وأن تتم العملية وفق معايير الشفافية والمصداقية والاستقلالية بعيداً عن أي ضغوط أو إكراه.
وأكد البيان استعداد المجتمع الدولي لتقديم الدعم اللازم للجنة الخماسية لضمان تنظيم الحوار بصورة عملية تتيح الوصول إلى نتائج واضحة خلال فترة زمنية معقولة، ويفضل ألا تتجاوز ستة أشهر، بما ينسجم مع الجهود الرامية إلى تحقيق السلام واستكمال عملية الانتقال السياسي في السودان.
يأتي هذا التحرك الدولي في وقت تدخل فيه الحرب السودانية عامها الرابع بعد اندلاعها في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وهي الحرب التي تسببت في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية والنزوح القسري في العالم، وفق تقديرات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.

خلفية الأزمة
بدأ النزاع العسكري في 15 أبريل 2023 إثر خلافات متصاعدة بين قيادة الجيش السوداني وقيادة قوات الدعم السريع بشأن ترتيبات دمج القوات ضمن عملية الإصلاح الأمني والعسكري التي كانت جزءاً من الاتفاق الإطاري الموقع بين القوى المدنية والعسكرية أواخر عام 2022.
وسرعان ما تحولت المواجهات إلى حرب واسعة النطاق شملت العاصمة الخرطوم وعدداً من الولايات، قبل أن تمتد إلى إقليم دارفور وأجزاء من كردفان والجزيرة وسنار ومناطق أخرى. وأدى القتال إلى انهيار واسع في الخدمات الأساسية وتدمير البنية التحتية وتعطيل مؤسسات الدولة، فضلاً عن تفاقم الأوضاع الإنسانية بصورة غير مسبوقة.
ومنذ اندلاع الحرب، تعددت المبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى وقف القتال، غير أن أياً منها لم ينجح في تحقيق تسوية شاملة أو وقف دائم لإطلاق النار.
مسارات الوساطة السابقة
شهدت الأزمة السودانية عدة محاولات للوساطة، أبرزها محادثات جدة التي رعتها المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة خلال عامي 2023 و2024، وأسفرت عن عدد من الاتفاقات الإنسانية ووقفات إطلاق نار مؤقتة، لكنها لم تصمد طويلاً بسبب استمرار العمليات العسكرية وتبادل الاتهامات بين طرفي النزاع.
كما قادت الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيغاد) جهوداً دبلوماسية متعددة بهدف جمع الأطراف السودانية على طاولة التفاوض، بينما سعت الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي عبر الآلية الثلاثية والرباعية الدولية إلى تنسيق المواقف الدولية والإقليمية تجاه الأزمة.
في المقابل، برزت مبادرات سودانية مدنية عديدة دعت إلى إنهاء الحرب واستعادة مسار الانتقال الديمقراطي، إلا أن الانقسامات السياسية وتباين الرؤى بين القوى المدنية حدّا من قدرتها على تشكيل جبهة موحدة قادرة على التأثير في مسار الأحداث.
اللجنة الخماسية والرهان على الحل المدني
يمثل الدعم الدولي الجديد للجنة الخماسية محاولة لإحياء المسار السياسي المدني باعتباره المدخل الأكثر قبولاً لإنهاء الحرب. ويعكس البيان المشترك قناعة متزايدة لدى الأطراف الدولية بأن الحل العسكري لم ينجح في حسم الصراع، وأن استمرار القتال يهدد بتفكيك مؤسسات الدولة ويزيد من تعقيد المشهد الإنساني والأمني.
وشددت الدول والمنظمات الموقعة على أن مخرجات الحوار المنتظر ينبغي أن تقود إلى عملية انتقالية واضحة تفضي إلى تشكيل حكومة مدنية مستقلة تستند إلى مبادئ الشرعية والمساءلة واحترام حقوق الإنسان، معتبرة أن قيام مثل هذه الحكومة يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق سلام دائم وإنهاء النزاع بصورة مستدامة.
كما دعا البيان إلى توسيع نطاق الدعم الدولي والإقليمي لجهود السلام في السودان، مع التأكيد على أهمية تنسيق المبادرات المختلفة وتجنب تضارب المسارات السياسية والدبلوماسية.
تحديات أمام المبادرة
ورغم الزخم الدولي الذي يحيط بالمبادرة الجديدة، يرى مراقبون أن نجاحها سيظل مرهوناً بعدة عوامل، أبرزها مدى استعداد الأطراف المتحاربة للانخراط في عملية سياسية شاملة، وقدرة القوى المدنية على تجاوز انقساماتها الداخلية وتقديم رؤية موحدة لمستقبل البلاد.
كما تواجه المبادرة تحديات مرتبطة بتعقيدات المشهد الميداني وتعدد مراكز النفوذ داخل السودان، فضلاً عن التدخلات الإقليمية والدولية التي ظلت تؤثر في مسار الأزمة منذ اندلاعها.
ومع ذلك، ينظر كثيرون إلى البيان الدولي المشترك باعتباره أحد أكثر المواقف الدولية وضوحاً منذ بداية الحرب، لجهة تركيزه على أولوية الحل المدني وضرورة إشراك مختلف مكونات المجتمع السوداني في رسم مستقبل البلاد.
وفي ظل استمرار المعاناة الإنسانية واتساع رقعة الدمار، تتجه الأنظار إلى الأسابيع المقبلة لمعرفة ما إذا كانت الجهود الجديدة ستتمكن من كسر الجمود السياسي وفتح نافذة حقيقية نحو السلام، أم أن الحرب ستواصل فرض إيقاعها على المشهد السوداني في انتظار تسوية أكثر شمولاً واستدامة.


