تم التحديث: ٢٤ أبريل ٢٠٢٦ 18:29:21

المقاومة السودانية وإعادة تعريف الأمل!
الأصمعي باشري
منذ اندلاع حرب 15 أبريل، دخل السودان مرحلة شديدة التعقيد أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مصير الثورة، وآفاق الحكم المدني، ودور الفاعلين الشباب الذين كانوا في قلب الحراك منذ 2018. السؤال عن ما إذا كانت لجان المقاومة والشباب الثوري قد فقدوا الأمل ليس بسيطًا، لأن الإجابة لا تقع في خانة “نعم” أو “لا” بقدر ما تعكس تحولات عميقة في الوعي والممارسة.
في الأيام الأولى للحرب، بدا المشهد وكأنّه ضربة قاصمة لكل ما راكمته الثورة. فالصراع المسلح بين قوتين عسكريتين أعاد إنتاج معادلة كانت الثورة قد خرجت أصلاً لكسرها: هيمنة السلاح على السياسة. انهارت مؤسسات الدولة، وتعطلت الحياة المدنية، وتراجع النقاش حول الانتقال الديمقراطي لصالح أولويات البقاء والأمان. في هذا السياق، يمكن القول إن الإحباط كان شعورًا عامًا، خصوصًا وسط الشباب الذين رأوا أحلامهم في التغيير تُختطف مرة أخرى.
لكن اختزال موقف لجان المقاومة والشباب في “فقدان الأمل” يُغفل جانبًا مهمًا. فهذه المجموعات، التي نشأت وتطورت في ظروف قمعية معقدة، أظهرت قدرة لافتة على التكيّف. صحيح أن العمل السياسي التقليدي تراجع بفعل الحرب، لكن أشكالًا جديدة من الفعل المدني برزت. تحولت العديد من لجان المقاومة إلى شبكات إغاثة، وتنظيم مجتمعي، وتنسيق للمساعدات. هذا التحول لا يعني التخلي عن الهدف السياسي، بل إعادة ترتيب الأولويات في ظل واقع فرضته الحرب.
من ناحية أخرى، أعادت الحرب صياغة نظرة الشباب إلى الصراع نفسه. لم يعد يُنظر إليه فقط كتنازع على السلطة بين جنرالين، بل كأزمة بنيوية للدولة السودانية، حيث تغيب المؤسسات المدنية القوية، ويهيمن العنف كوسيلة لحسم الخلافات. هذا الوعي المتزايد قد يدفع نحو مراجعات فكرية داخل الحركات الثورية، خاصة فيما يتعلق باستراتيجيات التغيير، والعلاقة مع القوى السياسية التقليدية، وأدوات الضغط.
مع ذلك، لا يمكن إنكار أن الحرب أحدثت تصدعات داخل المعسكر الثوري. فالتشظي الجغرافي، والنزوح، وانقطاع التواصل، كلها عوامل أثرت على قدرة هذه المجموعات على التنسيق. كما أن طول أمد الحرب يهدد بإرهاق الحاضنة الاجتماعية للثورة، خصوصًا في ظل الأزمات الإنسانية الحادة. هنا يظهر تحدٍ حقيقي: كيف يمكن الحفاظ على الزخم الثوري في سياق يغلب عليه الانهيار؟
رغم هذه التحديات، يبدو أن الأمل لم يختفِ بقدر ما تغيّر شكله. لم يعد الأمل مرتبطًا بجدول زمني قريب لانتقال سياسي، بل أصبح أكثر تواضعًا وواقعية، مرتبطًا بالحفاظ على ما تبقى من النسيج الاجتماعي، ومنع الانزلاق الكامل نحو الفوضى. في هذا الإطار، يمكن قراءة مبادرات الشباب في التوثيق، والمناصرة، وبناء شبكات تضامن داخل وخارج السودان، كجزء من معركة طويلة النفس.
كذلك، هناك إدراك متزايد لدى كثير من الشباب بأن أي مشروع للحكم المدني في المستقبل لا بد أن يتعامل بجدية مع مسألة إصلاح القطاع الأمني والعسكري، وهي قضية كانت مؤجلة أو تُعالج بشكل جزئي في السابق. الحرب كشفت بوضوح أن تجاهل هذه المعضلة يجعل أي انتقال ديمقراطي هشًا وقابلًا للانهيار.
في المحصلة، لا يمكن القول إن لجان المقاومة والشباب الثوري فقدوا الأمل، لكنهم بالتأكيد فقدوا بعض اليقينيات. انتقلوا من مرحلة الحلم بإسقاط نظام وبناء آخر بشكل سريع، إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تتطلب صبرًا، ومرونة، وإعادة تعريف للأهداف والوسائل. الحرب لم تُنهِ الفكرة التي قامت عليها الثورة، لكنها وضعتها أمام اختبار قاسٍ.
قد يكون السؤال الأهم الآن ليس: هل ما زال الأمل موجودًا؟ بل: كيف يمكن إعادة بناء مشروع سياسي مدني في ظل هذا الدمار؟ الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف إلى حد كبير على قدرة الشباب أنفسهم على تحويل تجربتهم في الحرب، بكل ما فيها من ألم وخسارة، إلى معرفة سياسية جديدة، أكثر واقعية، لكنها لا تتخلى عن جوهر مطلب الحرية والعدالة.

