تم التحديث: ١٥ أبريل ٢٠٢٦ 10:27:38

15 إبريل رحلة النزوح والخوف والبحث عن أمان
مواطنون: رامي محكر
بين صباح يوم السبت 15 إبريل 2023م واليوم، وبعد مرور ثلاث سنوات من الحرب في السودان، حدثت نقطة تحول كبيرة في حياة ملايين السودانيين، بدأت موجات نزوح واسعة هرباً من القصف والاشتباكات، وبينما كانت أصوات الرصاص والمدافع تدوي في الأحياء السكنية، وجد المدنيون أنفسهم في قلب معركة لا يعلمون مصيرها، ويدفعون ثمنها من أمنهم واستقرارهم ومستقبلهم.
استهداف المدنيين
في ظل الحرب التي ألقت بظلالها الثقيلة على السودان، تكشفت قصص إنسانية مؤلمة تعكس حجم المعاناة التي عاشها المواطنون، يقول يونس حسن أن اندلاع الحرب لم يكن مفاجئاً بالنسبة له نظراً لما سبقه من استعدادت أمنية واضحة، إلا أن ما صدمه حجم الانتهاكات التي طالت المدنيين.
ويضيف يونس أن الاستهداف المباشر للمدنيين إلى جانب عمليات النهب التي تعرضت لها المنازل شكلت صدمة كبيرة، خاصة مع ورود تقارير عن انتهاكات جسيمة من بينها حالات اغتصاب، وهو ما لم يكن يتوقعه إطلاقاً.

بحث عن استقرار
رغم قسوة الحرب أشار إلى أن النزوح لم يكن خياره الأول بسبب الخوف من القتال، بل إضطر إليه لأسباب اقتصادية بحتة، بعد أن فقد عمله ولم يجد مصدر دخل يعينه على الاستمرار. ويصف تجربة النزوح بأنها الأسوأ في حياته، حيث وجد نفسه في بيئة جديدة يجهل تفاصيلها، دون معارف أو شبكة دعم، مبيناً أن توجه في البداية إلى الولاية الشمالية، حيث عمل في إحدى المزارع. لكنه لم يمكث طويلاً، إذ قرر بعد شهر التوجه إلى مصر أملاً في الحصول على فرصة أفضل ودخل مستقر.
الواقع هناك لم يكن مثلما تمناه يونس فقد أضطر للعمل في مهن شاقة، وتعرض لمعاملة عنصرية من قبل صاحب العمل بسبب جنسيته السودانية. وبعد تكرار الإساءات، قرر مواجهة الأمر ورفض هذا الواقع، مما دفعه للعودة إلى شمال السودان مجدداً.
تشتت و ضياع
لم تتوقف رحلة النزوح عند هذا الحد، إذا سافر لاحقاً إلى دولة أخرى قبل أن يعود مرة أخرى للبلاد، واصفاً تلك الأيام بالتشتت وعدم الاستقرار. ويشير يونس إلى أنه عاش حالة من الضياع، حيث لم يعد يعرف ما الذي ينتظره أو إلى أين يمضي.
بين قرار العودة إلى مدينته أمدرمان أو مواصلة رحلة التوهان والضياع، وجد يونس حسن نفسه يدخل في صراع الحياة والبحث عن الاستقرار مهما كلف الأمر. واختار في نهاية المطاف العودة إلى الخرطوم، قبل أن يستعيدها الجيش السوداني بشكل كامل من مليشيا الدعم السريع. وبقي فيها حتى نهاية الحرب في المدينة، في محاولة لالتقاط أنفاسه بعد رحلة طويلة من المعاناة والتنقل.
قلق وخوف
وعلى عكس حال يونس الذي كان متوقعاً للحرب، يقول مجتبى طه أنه لم يخطر على باله أن يعيش السودانيون حرباً وداخل ولاية الخرطوم. مشيراً إلى أنه كان في صباح يوم السبت، الذى اطلقت فيه الرصاصة الأولى، ينوي الخروج برفقة أحد أقاربه في شرق النيل، وأن ابن عمته أخبره أن هنالك تحركات عسكرية في الطرقات، وقرر البقاء في المنزل.
توقع مجتبى للحرب أنها لن تطول وأن الأمر لن يتعدى الأسبوع حتى يتم الوصول لحل. ويضيف بأن استمرار الاشتباكات و ظواهر السلب والنهب التي بدأت تظهر في الحي الذي يقطن فيه في أمدرمان إضافة إلى وقوع "الدانات" في المنازل، اضطره واسرته للخروج من منزله والتوجه شمال أمدرمان.
حالة من القلق والخوف سيطرة على طه، موضحاً بقوله: "لم يكن الخوف على نفسي بل على أسرتي خاصة وأن برفقتي بنات ووالدتي، وأخشى أن يصيبهم أذى أو التعرض لأي انتهاكات".
مرارات النزوح
الاستقرار في شمال أمدرمان كان لفترة مؤقتة، قبل أن يواصل مجتى الرحلة إلى ولاية نهر النيل بحثاً عن الأمان والاستقرار. غير أنه تفاجأ بواقع لم يكن في الحسبان، وقال "النزوح كان أقسى من الحرب. واجهنا فيه تفاصيل عديدة لا أود الخوض فيها، وكشفت لنا أشياء لم تكن على البال أو الخاطر، وأتمنى أن لا تتكرر التجربة".
سيطرة الجيش السوداني على الخرطوم شجعت مجتبى في اتخاذ قرار العودة إلى منزلهم. لكنه واجه واقعاً آخر، إذ كان الضرر كبيراً في البيت، وكانت آثار الحريق ظاهرة في داخله، مبيناً أن قوات الدعم السريع كان يستغل المنزل عيادة للمصابين من أفرادهم.
وأضاف: "وجدنا في المنزل كتل دم، وسكاكين، وملابس لا علاقة لنا بها. كان المنظر سيئ جداً، وحالنا هو حال كثير من السودانيين".
العودة للديار
بعد الاستقرار في منزلهم زوجهت مجتبى معاناة أخرى، إذ لم تتوفر خدمات الكهرباء ولا المياه، وزاد : "كنا ننقل المياه من أماكن بعيدة ولم يكن في الحي غيرنا، حتى خطوط المواصلات لم تعمل، وكنا حين نريد التزود بالمواد الغذائية نقطع مسافات بالعجلات. كان المنظر كئيباً، والمعاناة كبيرة، لكن فرحة العودة للديار جعلتنا نتجاوز كل ذلك، بعد رحلة النزوح الشاقة وما واجهناه فيها".
رغم عودة الحياة إلى ولاية الخرطوم في العديد من الأحياء بعد ثلاث سنوات من الحرب، إلا أن ذاكرة السودانيين فيها، وخلال هذه السنوات، لا تزال تحمل الكثير من القصص والأحزان. ويحاول العائديون بناء حياة جديدة بعد الدمار الذي طال منازلهم وحياتهم، آمليين أن لا تكرر التجربة، وأن ينعم السودان بالأمان والاستقرار.


