تم النشر بتاريخ: ٢ فبراير ٢٠٢٦ 19:30:14
تم التحديث: ٢ فبراير ٢٠٢٦ 19:33:13

ذوو الإعاقة في حرب السودان: من انهيار الحماية إلى إعادة تشكّل الجماعة

تقرير – خديجة مصطفى
باحثة في قضايا العدالة الاجتماعية
منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل، لم تكن المعارك وحدها هي ما دمّر حياة المدنيين في الخرطوم، بل كان الانهيار الكامل لشبكات الحماية الاجتماعية أحد أكثر الأبعاد قسوة، خاصة بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة. هذه الفئة، التي تشمل الإعاقة الحركية، والبصرية، والسمعية، والذهنية، والإعاقات المتعددة، وجدت نفسها فجأة في مواجهة حرب لا تعترف بالاختلاف، ولا تترك مساحة للضعف.

النزوح… رحلة مضاعفة الخطر
كانت أصعب اللحظات بالنسبة لذوي الإعاقة هي الخروج من مناطق النزاع إلى ما يُعرف بـ«المناطق الآمنة». لم يكن النزوح مجرد انتقال جغرافي، بل تجربة عنف مركّبة. فإلى جانب القصف وانعدام الأمن، واجه كثيرون سوء معاملة في نقاط التفتيش، وإهانات مباشرة، وفقدان المرافقين أثناء الفوضى، وغياب مترجمي لغة الإشارة للصم، وصعوبة الوصول إلى الملاجئ ومراكز الإيواء.

تكشف هذه التجارب عن شكل من أشكال العنف البنيوي، لا يُمارس فقط بالسلاح، بل عبر الحرمان والإقصاء وغياب البنية التي تضمن الكرامة الإنسانية. ومع حركة الأسر في كل اتجاه، عاش ذوو الإعاقة شتاتًا مضاعفًا: شتات المكان وشتات الناس. ومع ذلك، لم يكن الاستسلام خيارًا.

شبكات صغيرة… سند كبير
وسط الفوضى، استطاعت كل فئة من ذوي الإعاقة التواصل مع شبكاتها الخاصة من أشخاص يشاركونها نوع الإعاقة ذاته. هذه الشبكات، التي تكوّنت عبر سنوات طويلة قبل الحرب، لم تكن هياكل رسمية، بل روابط إنسانية صغيرة راكمت خبراتها عبر الزمن، وأصبحت خلال الحرب سندًا حقيقيًا، إلى جانب الأسرة، ومساحات آمنة نسبياً للحركة والتكيّف مع الظروف الاستثنائية.

ومع انتقال القتال إلى ولاية الجزيرة، وجد ذوو الإعاقة أنفسهم أمام نسخة جديدة من الكابوس الذي عاشوه في الخرطوم. بالنسبة للنازحين منهم، لم تكن المأساة مجرد تكرار، بل تجربة تتجدد للمرة الثانية وربما الثالثة، مع كل موجة نزوح جديدة.

هشاشة قديمة كشفتها الأرقام
تكشف بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) هشاشة البنية التي كان يعيش عليها ذوو الإعاقة حتى قبل الحرب. فالسودان يضم 202 مدرسة فقط مخصصة لذوي الإعاقة من أصل 19,380 مدرسة عامة. ويبلغ عدد التلاميذ ذوي الإعاقة نحو 168 ألفًا، منهم 94 ألف فتيان و74 ألف فتيات، بينما لا يتوفر الإمداد الكهربائي إلا في 221 مدرسة فقط.

هذه الأرقام لا تُستخدم هنا كمدخل تعليمي، بل كدليل على أن الفئة التي واجهت الحرب كانت أصلًا تعيش في بنية هشة، وأن الانهيار بعد 15 أبريل لم يكن مفاجئًا بقدر ما كان امتدادًا لضعف مزمن.

النساء ذوات الإعاقة… طبقات متراكمة من العنف
داخل هذه الصورة القاتمة، تواجه النساء ذوات الإعاقة هشاشة مضاعفة. تشير تقديرات منظمات دولية إلى أن النساء يشكّلن ما بين 45% و52% من مجموع الأشخاص ذوي الإعاقة في السودان، وأنهن أكثر عرضة للعنف القائم على النوع الاجتماعي بنسبة تصل إلى ثلاثة أضعاف.

خلال النزوح من الخرطوم والجزيرة وسنار، فقدت كثيرات أدواتهن المساعدة، وتعرضت أخريات للعزل داخل مراكز الإيواء بسبب غياب الخصوصية، وانعدام الأمان الليلي، وصعوبة الوصول إلى الحمامات. تقديرات ميدانية تشير إلى أن نحو 70% من النساء ذوات الإعاقة فقدن أدواتهن المساعدة أثناء الهروب، وأن 80% من مراكز الإيواء غير مهيأة لاحتياجاتهن.

ورغم ذلك، لعبت النساء دورًا محوريًا في إعادة تنظيم الاتحادات الولائية وقيادة مبادرات الدعم داخل مراكز الإيواء. فقد ارتفعت نسبة مشاركتهن في الاتحادات من 30% قبل الحرب إلى نحو 45% بعدها، ما يعكس تحوّلًا مهمًا في بنية القيادة داخل حركة ذوي الإعاقة.

نزوح جماعي وألم مشترك
تشير تقديرات عام 2024 إلى أن الحرب تسببت في نزوح أكثر من 300 ألف شخص من ذوي الإعاقة من الخرطوم والجزيرة وسنار، تشكّل النساء حوالي 40% منهم، وغالبًا ما نزحن دون مرافقين أو فقدنهم أثناء الطريق. هذه الأرقام لا تمثل مجرد إحصاءات، بل نافذة لفهم كيف عاش ذوو الإعاقة الحرب كجماعة، لا كأفراد معزولين، في ظل انهيار البنية والحماية والقدرة على الحركة.

الاتحادات… تاريخ من المناصرة
قبل الحرب، كانت الخرطوم مركزًا لنشاط منظم لذوي الإعاقة. لم تكن الاتحادات مجرد هياكل خدمية، بل نتاج عقود من العمل الأهلي والحقوقي. فقد أنشأت مراكز تدريب مهني، وأدخلت لغة الإشارة، وقادت حملات مناصرة، ووفرت أجهزة مساعدة، وأسهمت في تدريب كوادر الترجمة والتأهيل.

وقبل مصادقة السودان على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عام 2009، كانت الحركة التنظيمية قد سبقت الدولة بخطوات طويلة. فمنذ التسعينيات، لعبت الاتحادات والجمعيات دورًا ضاغطًا أسهم لاحقًا في إصدار قانون الأشخاص ذوي الإعاقة لسنة 2017، وتضمين حقوقهم في دستور 2019.

استجابة طارئة من قلب الفوضى
يقول الأستاذ مرتضى أحمد آدم، مدير الاتحاد القومي للمكفوفين، إن المكفوفين وجدوا أنفسهم بعد اندلاع الحرب في مواجهة واقع نزع منهم كل ما يعتمدون عليه: المرافقون، الأصوات المألوفة، والطرق الآمنة. “في اليوم التالي للحرب”، يضيف، “أطلقنا مبادرة ممرات آمنة عبر مجموعة واتساب لتشكيل غرفة طوارئ خاصة بالمكفوفين، والمعاقين حركيًا، والصم”.

بدأت المبادرة بتنظيم عمليات الإجلاء، رغم صعوبة استخدام الهواتف، ونُفذت أول عملية إجلاء في يونيو، عبر حافلة أقلّت 30 شخصًا من الخرطوم إلى مدني. لاحقًا توسعت الجهود لتشمل نهر النيل، كسلا، وسنار، بدعم من مبادرة “شارع الحوادث”.

تم إنشاء مراكز إيواء نوعية في مدني، وعطبرة، وكسلا، وبورتسودان، مع تنسيق وثيق مع غرف الطوارئ والمنظمات الإنسانية. كما أسهم متطوعون من أوغندا ونيروبي ومصر في دعم عمليات الإجلاء، بما في ذلك من ولايات دارفور.

من تحت الركام… هوية تتشكل
ما حدث لذوي الإعاقة خلال الحرب لم يكن مجرد تكيف مع ظروف قاسية، بل إعادة تشكّل لهوية جماعية جديدة. لم يعودوا مجرد ضحايا، بل جماعة قادرة على التنظيم، وعلى خلق شبكات دعم بديلة حين انهارت البنى الرسمية. تحوّل الألم من عبء فردي إلى قوة اجتماعية، وأصبحت الهشاشة نفسها مادة لإنتاج الفاعلية.

الفن كغرفة نجاة
في احتفالات اليوم العالمي لذوي الإعاقة، يبرز الفن كأداة مقاومة ووسيلة نجاة. عبر الغناء والعروض الفنية والرسائل التوعوية، أعاد ذوو الإعاقة تعريف حضورهم في المجال العام. وأتى فيلم «أنا هنا» كتجسيد بصري لهذه الروح، موثقًا معاناة ذوي الإعاقة بوصفهم أصحاب صوت وقدرة على إعادة تشكيل واقعهم.

الفيلم، الذي أُنتج بالشراكة مع مكتب DT Global وبدعم من المعونة الأمريكية، ومن إنتاج شركة فاوي، يوثّق نضال الأمهات الصم في سياق النزوح، ويحوّل لغة الإشارة من أداة تواصل إلى مساحة مقاومة، وشهادة على أن الإعاقة لا تلغي الإبداع، بل تمنحه بعدًا أعمق.

معرض الصور