تم التحديث: ٢٨ يناير ٢٠٢٦ 10:41:51

المواطنون السودانيون في الشمال والجنوب: حرب واحدة في بلدين
مواطنون ـ تقرير إخباري
لم يُنهِ انفصال جنوب السودان عن السودان في يوليو 2011 عقودًا من الحرب، بل أعاد إنتاجها في بلدين منفصلين سياسيًا، متصلين إنسانيًا بالمأساة ذاتها.
ففي السودان وجنوب السودان، ظل المدنيون يدفعون كلفة الصراعات المسلحة، وفشل مشاريع السلام، وانهيار مؤسسات الدولة، في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في القارة الإفريقية.
حروب ما بعد الانفصال
في السودان، لم يعقب الانفصال استقرارٌ دائم. استمرت النزاعات في دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، قبل أن تنفجر الحرب الواسعة في أبريل 2023، لتتمدّد من العاصمة الخرطوم إلى ولايات عدة، مخلّفة دمارًا واسعًا وخسائر بشرية جسيمة.
أما في جنوب السودان، الدولة الوليدة، فقد اندلعت حرب أهلية داخلية في ديسمبر 2013، بعد أقل من عامين على الاستقلال، وأسفرت عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد الملايين. ورغم توقيع اتفاقيات سلام متكررة، لا يزال العنف المحلي مع تجدد نذر حرب جديدة، وعدم الاستقرار السياسي، وانعدام الأمن الغذائي، يهدد حياة المدنيين.
وتوثّق تقارير الأمم المتحدة انتهاكات جسيمة في البلدين، تشمل القتل خارج نطاق القانون، والعنف الجنسي، وتجنيد الأطفال، وتدمير مصادر الرزق.

أزمة نزوح غير مسبوقة
بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تسببت الحرب في السودان في نزوح أكثر من 12 مليون شخص داخليًا وخارجيًا، ما يجعلها أكبر أزمة نزوح في العالم حاليًا. وعبور ملايين السودانيين إلى دول الجوار، من بينها تشاد، مصر، إثيوبيا، وجنوب السودان، وفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين .
في المقابل، لا يزال جنوب السودان يواجه أزمة إنسانية حادة، إذ نزح نحو 2.7 مليون داخليًا داخل البلاد، وأكثر من 2.3 مليون لاجئ من مواطنيه يعيشون في دول الجوار. ويعاني قرابة ثلثي السكان من انعدام الأمن الغذائي، بحسب برنامج الغذاء العالمي .
ورغم محدودية قدراته، استقبل جنوب السودان مئات الآلاف من السودانيين الفارين من الحرب، ما فاقم الضغط على موارده وخدماته الأساسية.
نزوح في الاتجاه المعاكس
في تطور إنساني لافت، سجّلت الأشهر الأخيرة تدفّقًا جديدًا للاجئين من دولة جنوب السودان إلى السودان، رغم الحرب الدائرة داخل الأراضي السودانية.
ووفق تقارير حديثة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين دخل إلى السودان نحو 45 ألف مواطن من جنوب السودان خلال الفترة ما بين أبريل ويونيو 2025، نتيجة تصاعد العنف وانعدام الأمن، خصوصًا في ولاية أعالي النيل والمناطق الحدودية.
وتشير المفوضية إلى أن معظم الوافدين استقروا في ولاية النيل الأبيض، حيث توجد مخيمات لاجئين جنوبيين منذ سنوات، وسط ضغوط متزايدة على الغذاء، والمياه، والخدمات الصحية والتعليمية.
كما أوضحت أن إجمالي الوافدين إلى السودان من جنوب السودان ودول الجوار الأخرى خلال الفترة نفسها بلغ نحو 86 ألف شخص، في مؤشر على تعقّد أنماط النزوح العابر للحدود، وغياب أي ملاذ آمن دائم للمدنيين.
في المقابل، قالت الأمم المتحدة، مؤخراً، إن تصاعد الصراع في إقليم كردفان السوداني لا يزال يُجبر المدنيين على النزوح من منازلهم ويعرّضهم لمخاطر جسيمة. وذكرت منظمة الهجرة الدولية، في تقريرها، أن أكثر من ألف شخص من مدينتي كادوقلي والدلنج المحاصرتين نزحوا بسبب الاشتباكات الأخيرة في المنطقة. وأضافت المنظمة أن نحو 65 ألف شخص نزحوا في إقليم كردفان منذ شهر أكتوبر الماضي. كما أشارت مفوضية شؤون اللاجئين إلى عبور 6500 شخص إلى دولة جنوب السودان منذ أوائل شهر ديسمبر الماضي.
تؤكد وكالات أممية أن النساء والأطفال يشكّلون أكثر من 70% من النازحين في البلدين. وارتفعت معدلات سوء التغذية، وتسرب الأطفال من التعليم، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، خاصة في مناطق النزوح ومخيمات اللاجئين.
بعد أكثر من عقد على الانفصال، يعيش المواطنون في السودان وجنوب السودان، حربًا واحدة بأسماء مختلفة، حيث تتبدل الحدود والأعلام، بينما تبقى الكلفة الإنسانية واحدة.
تخلص تقارير الأمم المتحدة إلى أن إنهاء هذه المأساة يتطلب حلولًا سياسية شاملة، تتجاوز الاتفاقات الهشة، وتضع الإنسان وكرامته في صميم أي عملية سلام مستدام.


