تم التحديث: ٢٥ يناير ٢٠٢٦ 00:23:47

السودان.. ما المخاطر الاجتماعية والاقتصادية التي يخلفها انهيار العملة الوطنية؟
بورتسودان،(الجريدة) ـ يشهد الاقتصاد السوداني موجة جديدة من الاضطرابات، مع تراجع غير مسبوق في قيمة الجنيه وتغيرات حادة في منظومة تسعير العملات الأجنبية داخل البنوك التجارية، في سياق يعكس انتقال مركز التسعير من السوق الموازي إلى الجهاز المصرفي نفسه، على خلفية استمرار الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع واتساع فجوة عدم اليقين الاقتصادي.
خلال الأيام الماضية شُوهدت تحركات واسعة داخل البنوك العاملة في بورتسودان، تمثلت في رفع أسعار شراء وبيع الدولار بصورة متسارعة. وسجّل بنك أم درمان الوطني قفزة كبيرة في سعر البيع من 2,570 إلى 3,627 جنيهاً خلال فترة وجيزة، بزيادة قاربت 41%، قبل أن يعمد إلى خفض سعر الشراء تدريجياً ليستقر عند 3,500 جنيه، بينما بلغ سعر البيع في آخر نشرة 3,596.78 جنيه.
وفي السياق ذاته، رفع البنك السوداني الفرنسي سعر صرف الدولار من 2,639 إلى 3,556.57 جنيهاً بزيادة بلغت 916.92 جنيهاً، أي ما يعادل نحو 34.7%. واللافت أن السعر الجديد تجاوز سعر السوق الموازي، الذي بلغ في الفترة نفسها نحو 3,550 جنيهاً، وهو ما اعتبره محللون تحولاً نوعياً في هيمنة البنوك على عملية التسعير بعد سنوات من تفوق السوق غير الرسمية.
مصادر مصرفية أكدت أن بنوكاً أخرى، على رأسها بنك الخرطوم، تستعد لاتخاذ خطوات مماثلة، في ظل ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي وانكماش المعروض منه، مشيرةً إلى أن هذه التطورات تأتي نتيجة مباشرة لسياسة التعويم التي اعتمدتها السلطات النقدية منذ عام 2021، والتي منحت البنوك حرية تحديد الأسعار وفق تقديراتها الداخلية، في ظل غياب أي تدخل مباشر من البنك المركزي.
ورغم التعديلات الواسعة التي أجرتها البنوك، لم يصدر عن بنك السودان المركزي أي بيان رسمي يوضح موقفه من التحركات الأخيرة، وسط تساؤلات حول مدى قدرة السلطات الاقتصادية على إدارة الأزمة المتفاقمة، خاصة في ظل تراجع الإنتاج، وضعف الموارد، وتوقف التدفقات الخارجية.
وبالتوازي مع ذلك، واصل السوق الموازي مسار الصعود، إذ بلغ سعر الدولار في 18 يناير 2026 نحو 3,750 جنيهاً للبيع و3,665 جنيهاً للشراء. كما ارتفعت أسعار العملات الأخرى لتسجل 1,000 جنيه للريال السعودي، و1,021.79 جنيهاً للدرهم الإماراتي، و4,411.76 جنيهاً لليورو، و5,000 جنيهاً للجنيه الإسترليني، و11,822.5 جنيهاً للدينار الكويتي.
يشير الخبير الاقتصادي محمد عثمان صالح إلى أن المعدلات تعكس انهياراً كبيراً في قيمة الجنيه، الذي فقد أكثر من 570% من قيمته منذ أبريل 2023، حين كان سعر الدولار لا يتجاوز 560 جنيهاً في السوق الموازي، قبل أن يقفز إلى مستوياته الحالية خلال أقل من ثلاث سنوات. وتتفق التقارير الدولية مع هذا الاتجاه، إذ حذّر البنك الدولي في تقريره Sudan Economic Update – May 2025 من مخاطر اقتصادية واجتماعية عميقة ترتبط باستمرار الحرب، مشيراً إلى تدهور مستويات الدخل وتوسع دائرة الفقر وضعف قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد. كما توقع صندوق النقد الدولي أن يصل معدل التضخم إلى نحو 118.9% في عام 2025.
ويرى محللون اقتصاديون أن استمرار الحرب وتراجع تحويلات السودانيين في الخارج وارتفاع الطلب الموسمي على النقد الأجنبي قبل شهر رمضان، عوامل مرشحة لمزيد من الضغط على الجنيه، مع توقعات ببلوغه حاجز 4,000 جنيه قريباً وربما 5,000 جنيه في العام المقبل إذا لم تتخذ إجراءات جذرية تضع حداً لتدهور الاقتصاد.
ويجمع الخبراء على أن الخطوات التي تتخذها البنوك، رغم أهميتها، لن تكون ذات أثر فعلي ما لم تُعالج جذور الأزمة عبر وقف الحرب، وإعادة بناء منظومة الثقة في النظام المصرفي، وتوفير موارد حقيقية من النقد الأجنبي، مع إصلاحات اقتصادية شاملة تعيد الاستقرار إلى سوق الصرف وتحد من فقدان الجنيه لمزيد من قيمته.
- ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء فيه هذه المادة الخبرية من إعداد (جريدة الجريدة) لتعكس واقع الاقتصاد السوداني في ظل الحرب، وذلك عبر تتبع العملة الوطنية التي تآكلت وفقد قيمتها بأكثر من 570% من قيمتها منذ أبريل 2023 مع بدء الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع.
تنبه المادة إلى اجتمالات استمرار العملة في التدهور، وتشير إلى المخاطر الاقتصادية والاجتماعية التي ترتبط باستمرار الحرب، من بينها تدهور مستويات الدخل وتوسع دائرة الفقر وضعف قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد.


