تم النشر بتاريخ: ٢١ يناير ٢٠٢٦ 12:51:10
تم التحديث: ٢١ يناير ٢٠٢٦ 12:53:44

دارفور في لاهاي… مسار العدالة المؤجلة

مواطنون
منذ أن أحال مجلس الأمن الدولي، في عام 2005، ملف إقليم دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، ظل السودان واحدًا من أكثر الملفات حضورًا في سجل العدالة الدولية، وأكثرها تعقيدًا في التنفيذ. فبين مذكرات توقيف لم تُنفذ، وتعاون رسمي متذبذب، وجرائم تتكرر على الأرض، تحولت دارفور إلى نموذج صارخ لما يسميه حقوقيون «العدالة المؤجلة».

إحالة كسرت المحظور
شكّل القرار 1593 الصادر عن مجلس الأمن أول إحالة لوضع دولة غير طرف في نظام روما الأساسي إلى المحكمة الجنائية الدولية. وجاءت الخطوة بعد تقارير أممية وثّقت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في دارفور منذ عام 2003، شملت القتل الجماعي، التهجير القسري، والعنف الجنسي واسع النطاق.

غير أن الإحالة، التي بدت حينها نقطة تحول لصالح الضحايا، اصطدمت سريعًا بواقع سياسي معقّد حدّ من قدرة المحكمة على تنفيذ ولايتها.

 

مذكرات توقيف بلا تنفيذ
بين عامي 2007 و2012 أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق عدد من كبار المسؤولين السودانيين، على رأسهم الرئيس السابق عمر حسن أحمد البشير، الذي أضيفت إلى ملفه لاحقًا تهمة الإبادة الجماعية، في سابقة غير مسبوقة لرئيس لا يزال في السلطة. كما شملت المذكرات أحمد محمد هارون وعبد الرحيم محمد حسين، إضافة إلى قائد المليشيا السابق علي كوشيب.

ورغم الثقل القانوني لهذه الاتهامات، لم تُنفذ المذكرات طوال سنوات حكم البشير، الذي تنقل بين دول عدة دون مساءلة، في مشهد أضعف ثقة الضحايا في العدالة الدولية وطرح تساؤلات حول فعالية المحكمة خارج التعاون الطوعي للدول.

كوشيب… الاستثناء الوحيد
لم يدخل أي متهم سوداني قفص الاتهام في لاهاي إلا بعد أن سلّم علي كوشيب نفسه للمحكمة في يونيو 2020. مثوله أمام القضاة مثّل أول اختراق عملي في ملف دارفور، خاصة بعد إدانته في عدد من التهم المرتبطة بالقتل والاغتصاب والتهجير القسري.

غير أن هذه الخطوة، على رمزيتها، سلطت الضوء على المفارقة الكبرى: محاكمة منفذي الجرائم على الأرض، مقابل بقاء من يُشتبه في تخطيطهم أو إدارتهم خارج المساءلة.

انتقال سياسي بلا حسم
أعقب سقوط نظام البشير في 2019 إعلان الحكومة الانتقالية استعدادها للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، وجرى تضمين مسألة تسليم المطلوبين ضمن اتفاق جوبا للسلام. إلا أن هذه الالتزامات لم تُترجم إلى إجراءات ملموسة، قبل أن يعصف انقلاب أكتوبر 2021 بما تبقى من مسار التعاون.

إحاطة مجلس الأمن… لغة تحذير صريحة
مع اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، عادت دارفور إلى واجهة الاهتمام الدولي. وفي هذا السياق، قدّمت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إحاطة أمام مجلس الأمن، حملت لهجة غير مسبوقة من التحذير، إذ أكدت أن مكتب الادعاء يمتلك أسسًا معقولة للاعتقاد بارتكاب جرائم تقع ضمن اختصاص المحكمة في دارفور حاليًا.

وأشارت الإحاطة إلى أن أنماط العنف الجارية، بما في ذلك القتل على أساس إثني، والعنف الجنسي، والتهجير القسري، تُظهر تشابهًا مقلقًا مع الجرائم التي خضعت لتحقيقات المحكمة قبل عقدين. كما شددت على أن الإفلات المستمر من العقاب عن جرائم الماضي أسهم في خلق بيئة تسمح بتكرارها اليوم.

وأكدت نائبة المدعي العام أن المسؤولية الجنائية فردية، ولا تقتصر على فاعلين بعينهم، بل تشمل كل من يثبت تورطه، سواء من القوات النظامية أو الجماعات المسلحة أو المليشيات المتحالفة معها، داعية مجلس الأمن والدول الأعضاء إلى دعم التحقيقات وضمان حماية الشهود والضحايا.

دارفور… جريمة بلا نهاية؟
تكشف إحاطة المحكمة لمجلس الأمن أن ما يجري اليوم في دارفور لا يُنظر إليه كحوادث معزولة، بل كامتداد مباشر لجرائم لم يُحاسب مرتكبوها. وهو ما يعزز الرأي القائل إن العدالة المؤجلة في السودان لم تكن مجرد فشل قانوني، بل عاملًا أساسيًا في إعادة إنتاج العنف.

بين دارفور التي أحيل ملفها إلى لاهاي في 2005، ودارفور التي تعود اليوم إلى أجندة مجلس الأمن، يتكرر المشهد ذاته: ضحايا بلا إنصاف، ومجرمون بلا عقاب كامل. ورغم بطء مسار المحكمة الجنائية الدولية، يبقى ملف دارفور مفتوحًا بوصفه شهادة على أن الجرائم الكبرى قد تُؤجَّل محاسبتها، لكنها لا تُمحى من سجل العدالة.

معرض الصور