تم النشر بتاريخ: ٩ يناير ٢٠٢٦ 13:44:32
تم التحديث: ٩ يناير ٢٠٢٦ 13:49:30

1000 يوم لحرب السودان: كارثة بلا أفق ولا تعافي مع الصمت

مواطنون
يستعد مؤشر التقويم لتخطي حاجز الـ1000 يوم منذ انطلاق الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، دون أي مؤشرات حقيقية على واقع الأرض تكشف عن وضع حد لإطلاق الرصاص وعودة الحياة إلى طبيعتها في أرجاء البلاد. وهو رقم يتجاوز كونه مجرد علامة زمنية، ليغدو شاهداً على انسداد سياسي كامل، وانهيار إنساني مفتوح بلا أفق.

لعب عامل الزمن وتطاول أمد الحرب دون أفق إلى تحويلها من مجرد صراع على السلطة إلى حالة تفكك الدولة نفسها. فغياب أي مسار سياسي جاد، وفشل كل المبادرات الإقليمية والدولية، كشف أن أطراف الصراع لا تملك مشروع حكم، بقدر ما تدير اقتصاد حرب يقوم على السلاح، والنهب، والسيطرة على الموارد.

كما أسهم تدويل الأزمة دون إرادة حقيقية للحل في إطالة أمد الحرب، حيث تعامل المجتمع الدولي مع السودان باعتباره ملف إدارة أزمة لا ملف إنهاء حرب. والنتيجة: سلطة غائبة، ومؤسسات منهارة، وفراغ سياسي تملؤه المليشيات والتحالفات المؤقتة.

البعد الإنساني
تبرز الأزمة الإنسانية كواحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، ليست مجرد صراع مسلح، بل حالة إنسانية هي الأسوأ في العصر الحديث من حيث الاحتياجات، النزوح، الجوع، وغياب الخدمات الأساسية.

أكثر من نصف السكان باتوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بينما يعيش الملايين بين نازح ولاجئ، في ظل عجز أممي واضح، وتقييد متعمد للعمل الإنساني، واستخدام الغذاء والدواء كسلاح في الصراع.

بلغة الأرقام، حسب الإحصائيات الأممية، فإن أكثر من 30.4 مليون شخص، أي ما يقرب من ثلثي سكان السودان، بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة تشمل الغذاء، الصحة، والمأوى.

في خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026، هناك أكثر من 23 مليون شخص في المجتمعات المضيفة و 8.1 مليون نازح داخلياً في حاجة مباشرة للدعم. من بين هؤلاء، نحو 16 مليون طفل يعيشون في أوضاع كالخطر. هذا بالإضافة إلى أكثر من 3 ملايين لاجئ في الدول المجاورة. مما يجعل السودان الأكبر عالمياً في عدد النازحين داخلياً بسبب الصراع، ومركزاً لأعلى مستويات النزوح في إفريقيا.

ويتزايد حجم المأساة مع تراجع معدلات الغذاء، إذ يواجه أكثر من 24.6 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي. هذا يشمل حالات مجاعة مؤكدة في عدة مناطق، وسيُتوقع توسعها مع استمرار النزاع. وهذا يعني أن نصف السكان تقريباً، أي نحو 25 مليون يواجهون مستويات جوع متطرفة.

هذا التحول من أزمة غذاء إلى مجاعة معترف بها في مواقع متعددة ليس مجرد رقم؛ ولكنه يعكس انهيار الإنتاج الزراعي، وتدمير سلاسل الإمداد، وفقدان القدرة على تأمين الغذاء الأساسي.

يعبر المواطن أحمد إبراهيم، من منطقة دار السلام بشرق النيل، عن كارثة استمرار الحرب ووصولها الـ1000 يوم بأن الوضع لا يزال خطيراً وكارثي إذا لم تتوقف الحرب، وقال إن آثارها ستستمر في المدى البعيد على مستوى التنمية والتطور، وأن المواطن هو المتضرر الأول منها.

وأشار إبراهيم، في حديثه لـ"مواطنون"، إلى استعادة جزء من الحياة في منطقة الحاج يوسف بشرق النيل "استردينا بعضًا من الأمن الذي كان غائبًا على نحو ثلاث سنوات". ومع ذلك، يقول إن الحرب نزعت الطمأنينة من "داخلنا بعد أن عشنا تجربة مريرة". وقال إن أحداً من المواطنين لم يتوقع أن يمر السودان بهذه الأزمة رغم التعقيدات السياسية والأزمات بجميع أشكالها الاقتصادية، الإنسانية والصراعات العرقية الناعمة،"ولكن بكل صراحة الحرب كان بمثابة كارثة على السودان، ومنعطف خطير وضع البلاد برمتها على فوهة بركان حرق كل شئ، قتل الناس، مزق المجتمع، دمر المدن وسرق الثروات وحياة الناس".

أكثر من 80% من المستشفيات في مناطق الصراع غير قادرة على العمل بشكل كامل، مما يترك ملايين دون رعاية صحية، بما في ذلك حالات سوء تغذية حادة وارتفاع معدلات الوفاة البشرية.

وتشير الاحصائيات إلى أن عدد الإصابات بمرض الكوليرا، منذ إعلان الوباء في أغسطس 2024 وحتى نهاية أغسطس 2025 بلغت حوالي 102831 حالة إصابة، فيما بلغت الوفيات المرتبطة بها نحو 2561 وفاة.

وبالنسبة للتعليم فإن أكثر من 17 مليون طفل خارج المدارس منذ اندلاع الحرب بسبب إغلاق المؤسسات التعليمية وتحويلها إلى مخيمات أو ملاجئ للنازحين.

يقول الطالب الجامعي، عمر الشيخ، لـ"مواطنون" لا يوجد مستقبل أو مؤشر واضح للتعليم في السودان، ويضيف بأن الاهتمام بجودة التعليم تراجع ولا يوجد اهتمام بترقيته وأن الحرب "زادت الطين بلة". وأشار إلى خروج كل الجامعات السودانية من مؤشرات التصنيف العالمي بعد اندلاع الحرب. "ومع ذلك نجد ارتفاعاً مبالغاً فيه في الرسوم الدراسية والتي تعتبر عبئاً ثقيلاً على المواطنين".

تشقق النسيج الوطني
سياسياً وإنسانياً، أنتجت الحرب شرخاً عميقاً في المجتمع السوداني. فالتهجير القسري، والاستقطاب الجهوي والإثني، وخطاب الكراهية، تهدد بإعادة تشكيل الهوية الوطنية على أسس عنيفة، ما ينذر بأن آثار الحرب ستستمر طويلاً حتى لو توقفت المعارك.

لكن الأستاذ الجامعي والناقد الذي يعيش في منفاه بعد اندلاع الحرب، د. أحمد الصادق برير، في إفادته لـ"مواطنون" يتمسك بالأمل بقوة لتجاوز هذه المحنة، ويستهل مداخلته بأبيات شعرية لعصام عيسى رجب:
إقرأْ حتَّى لا تقعَ الحَرب ...
... وفجأةً تُصابُ المَكتبةُ بالشتاء
الرفوفُ والكُتبُ، وأولئكَ الذينَ يفعلونَ الأفاعيلَ داخلَها كي يهزموا البردَ والوَحشةَ الحَرب و...
تمُدُّ يدَكَ إلى جاك دريدا
فتلسَعُكَ كَفُّه الباردة،
رغمَ الدخانِ الذي يتصاعَدُ من غليونِه كالسؤال ...

يزعم الصادق أن ثمة ميول إلى التبشير والدخول في تأملات دينية وعيوب أنطولوجية في اللسان والكلام في هكذا أوقات امّحاق ومساخة، إلا أن المنجز الانساني ينفي مطلقًا لحظات وعي نافذة من التحقّق وتحرك قاطرة التاريخ، الثورة، ويكون العنف، في أقصي حالاته، قابلة لذلك التاريخ.

وقال إن المواعين اتسعت للابداع بكل أجناسه "وصنعنا تاريخًا جماليًا باهرًا ولم تتوقف تلك القاطرة، لابد أنها لذاذات المنفي والتوترات الجمالية المضادة لبؤس المنفي والاقتلاع، لم نفقد حتي هويتنا بعد فقد المكان واللسان وفق معادلة الكاهن الملتبس هايدغر".

وأكد الصادق على الصمود في وجه ذلك العنف المنهجي البغيض، وقوفًا في وجه أصحاب الخبرة في الحرب والسجون بعد أن صاروا أساتذة مكلفين بإدارة الدولة والمجتمع بعد سحل الثوّار والقضاء علي الثورة ومقولاتها التاريخية حول الحرية والسلام والعدالة ، واعتبره الحق المشروع في الفكرة الأبدية للانعتاق الكوني والسعي الخالد للعدالة.

وقال إنه لا ينبغي على الإبداع أن يتوقف وذلك من أجل إعادة ترتيب العلاقة بين الانسان والعالم، والفكاك من العقد الخبيثة والتي هي مزيج من أبارتايد وعقد ولاهوتية ومنطق سلعة الذي يستبدل العامل بالمستهلك. مشدداً "لن نتوقف عن الكتابة حتي نكون أساسيين بالنسبة لانفسنا".

تطبيع الكارثة
إن أخطر ما أنتجته الألف يوم هو تطبيع المأساة. فالموت اليومي، والنزوح الجماعي، وانهيار الخدمات الأساسية لم تعد أخباراً عاجلة، بل وقائع عادية في حياة ملايين السودانيين.

تقول، الطبيبة النفسية، د. ناهد محمد الحسن، لـ"مواطنون" إن هناك سؤال يطرح نفسه بإلحاح، بعد مرور ألف يوم على اندلاع الحرب في السودان، هل “تأقلم” السودانيون مع الصدمة؟ أم أننا نشهد فقط أشكالًا مختلفة من التعايش القسري مع الألم؟

وتشرح "الإجابة الدقيقة هي: نعم، حدث قدر من التكيّف لدى بعض الناس، لكن هذا لا يعني التعافي، ولا يعني أن الصدمة انتهت. ما نراه اليوم هو طيف واسع من الاستجابات النفسية، يتشكل وفق العمر، والنوع الاجتماعي، وطبيعة التجربة الصادمة، وتوفر الدعم، والموارد، والزمن".

وتضيف بأن الحرب في السودان ليست حدثًا صادمًا واحدًا يمكن تجاوزه بمرور الوقت، بل هي سلسلة متصلة من الصدمات "قصف، تهجير، فقدان، انقطاع تعليم، انهيار خدمات، ثم إعادة تعرّض". وتفسّر أن هذا النوع من الصدمة المستمرة يختلف جذريًا عن الصدمات المحدودة زمنياً، لأنه لا يتيح للجهاز النفسي فرصة “إغلاق الملف” والبدء في المعالجة.

وميزت الطبيبة النفسية بين نوعين مختلفين من التأقلم، الأول هو التأقلم الوظيفي "أن يعيد الإنسان تنظيم يومه، يبحث عن مصدر دخل، يؤمّن أطفاله، يطهو، يدرّس، يعالج، يساعد غيره. هذا النوع من التكيّف يعكس قدرة بشرية عالية على البقاء، وغالبًا ما يرتبط بالمعنى، والشعور بالمسؤولية، والانخراط في أدوار مفيدة للآخرين". وأشارت إلى أن كثير من السودانيين أظهروا هذا النمط بوضوح، خاصة في مبادرات الإغاثة، والتعليم البديل، والتكافل الاجتماعي.

وقالت إن النوع الثاني، وهو أقل وضوحًا وأشد خطورة، هو التأقلم الدفاعي حيث لا يختفي الألم، بل يُجمَّد، ويظهر في صورة "خدر عاطفي، تبلّد، ضيق أفق، فقدان الاهتمام بالمستقبل، اضطرابات نوم، عصبية مزمنة، أو سخرية جارحة من كل شيء". واوضحت بأن هذا ليس شفاءً، بل استراتيجية نفسية لتقليل الإحساس كي يتمكن الإنسان من الاستمرار. وقالت إن كثيرين “يبدون بخير”، لكنهم في الداخل منهكون.

وقالت ناهد إن النوع الاجتماعي يضيف طبقة أخرى من التعقيد، إذ تتحمل النساء غالبًا عبء النجاة اليومية "رعاية الأطفال، توفير الطعام، حماية الأسرة، مع قابلية أعلى للتعرض للعنف القائم على النوع الاجتماعي أثناء النزوح". في المقابل، قد يواجه الرجال صدمة مختلفة مرتبطة بفقدان دور الحماية أو الإعالة، ما قد يظهر في غضب مكبوت أو انسحاب عاطفي. هذه ليست قواعد صارمة، لكنها أنماط تتكرر في سياقات الحرب.

وأشارت إلى أن الزمن قد يساعد على التكيف إذا توقفت مصادر التهديد وتوفر الأمان، لكنه في سياق حرب مستمرة قد يزيد الإنهاك ويحوّل الصدمة إلى حالة مزمنة. "لا يمكن القول إن الناس تجاوزوا الصدمة لمجرد أنهم توقفوا عن البكاء أو عادوا للعمل". وأكدت أن المؤشر الحقيقي للتعافي لن يكون الصمت، ولا الاعتياد، بل عودة الإحساس بالأمان، وتوقف النزيف اليومي، ووجود أفق سياسي واجتماعي يسمح للناس أخيرًا بأن "يحزنوا… ثم يشفوا".

ألف يوم… ماذا بعد؟
إن إنهاء الحرب لم يعد خياراً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة وجودية لبقاء السودان. فكل يوم إضافي بعد الألف لا يُقاس بالوقت، بل بما يُفقد من بشر، وذاكرة، ومستقبل.

غياب أي اتفاق سلام فعال رغم التدخلات الإقليمية والدولية؛ والجهود المتكررة للوساطات لم تُنتج وقفاً مستداماً لإطلاق النار.

استمرار الدعم العسكري وتدفق الأسلحة إلى الأطراف المتقاتلة، وهو ما أدانه الأمين العام للأمم المتحدة ويُعطي مؤشراً على أن الحرب أصبحت أكثر من صراع داخلي، بل منطقة نفوذ وتحالفات خارجية تتصارع على مواقع القوة داخل السودان.

كلما طال أمد الحرب، كلما اتسع تأثيرها الإنساني الى أزمة جيل كامل: أجيال بلا تعليم، مجتمعات مزقها النزوح، وحياة اقتصادية منهارة.

كل هذه الأرقام ليست مجرد قياسات إحصائية، بل إشارات تحذيرية عاجلة إلى أن استمرار الحرب يشكل تهديداً وجودياً لسودان المستقبل — ليس فقط في السياسة، بل في الكيان الاجتماعي والإنساني ككل.

معرض الصور