تم التحديث: ٢٩ ديسمبر ٢٠٢٥ 21:07:08

990 يوم حرب.. كيف يستقبل اللاجئون السودانيون ذكرى الاستقلال في المنافي؟
تقرير ـ مواطنون
منذ انطلاق شرارتها الأولى في 15 أبريل 2023، اليوم تكمل الحرب 990 يوماً والسودان على عتبة أن يحتفل بالذكرى 70 للاستقلال. استيقظ السودانيون ذاك اليوم ليجدوا انفسهم بين نازح ولاجيء وقتيل وجريح، ومن لم تسعفه الأحوال أضطر للبقاء تحت قصف المدافع والطائرات وأزيز الرصاص.
تقول سجلات المنظمات الأممية أن نحو 3 إلى 4 ملايين سوداني فروا إلى دول الجوار هرباً من جحيم الحرب وويلاتها، وها هو عام ثالث لذكرى استقلال السودان يمر على الكثيرين منهم وهم يكابدون مشاق اللجوء ومعاناة الظروف المحيطة به.
تفتح الضغوط الدولية من اجل الوصول إلى وقف إطلاق نار وتأمين وصول المساعدات للنازحين بالداخل، والبدء في عملية سياسية تفضي إلى سلام ينهي حالة عدم اليقين التي ظلت البلاد تحت وطأتها خلال العامين الماضيين، تفتح الباب أمام ارتفاع آمال اللاجئين باقتراب حلم العودة من المنافي ومباشرة حياتهم الطبيعية في بلد مستقر.
معاناة مستمرة
السودانيون في مخيم كرياندنقو للاجئين بدولة يوغندا يستقبلون العام الجديد في ظروف إنسانية صعبة جداً، على الرعم من الجهود المقدرة التي تبذلها الحكومة اليوغندية وشركاءها من وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية لتوفير متطلبات الحياة الضرورية. هذا ما ذكره صلاح الدين ليموني المحامي وعضو هيئة محامي دارفور، الذي يقيم في المخيم منذ عامين، لـ"مواطنون".
ويصف ليموني الوضع الكارثي الذي يعيشه وبقية اللاجئين في المخيم قائلاً "هناك نقص واضح في تغطية تلك المتطلبات حيث ظل اللاجئين السودانيين والجنوب سودانيين يعانون من نقص واضح في المواد الغذائية ومواد الإيواء والخدمات الصحية".
بالإضافة إلي هذه الظروف يفتقد اللاجئين الأحساس بالأمان خاصة في هذا الوقت من العام حيث تزداد نسبة الجريمة ويكثر إختطاف الأطفال مما حدي بالسلطات إلي إصدار توجيهات لحفظ الأمن والمحافظة علي السلامة الشخصية لذلك لا تقام إحتفالات بشكل عام في داخل المخيم خاصة في هذا الوقت من العام.
يقول ليموني إن هذه الأوضاع فاقمت من الشعور بالحنين إلى الوطن، وزادت الرغبة في العودة ويتطلع الجميع إلى ذلك في ظل سلام حقيقي. ويضيف "أعاني مثل بقية اللاجئين لكن لا أستطيع العودة إلي بلدي في ظل الظروف الحالية حيث فقدت الأمان في موطني ومكان إقامتي كما فقدت مصدر رزقي لكن يظل حلم العودة للوطن يراودني.

سياسات لجوء مختلفةأرقام اللاجئين السودانيين في أوغندا هي أيضًا نسبية وصغيرة مقارنة بالدول المجاورة الأخرى، وتشير التقارير إلى نحو 70 ألفاً من اللاجئين السودانيين في أوغندا (بحلول نهاية نوفمبر وصل العدد الى 92,601 وفقا للمفوضية في اوغندا).
وتعتبر سياسة اللجوء في أوغندا نسبية مفتوحة مقارنة ببعض البلدان، وتوفر مخيمات وتعليمًا أساسيًا وخدماتًا صحية، لكن مع تزايد الضغوط على الموارد، استمر الضغط على الخدمات الأساسية.
تقول الناشطة النسوية والسياسية، حنان بحر، لـ"مواطنون" أن أوضاع السودانيين والسودانيات في دول الشتات تختلف باختلاف سياسات الدول المستضيفة وثقافاتها وأوضاعها الاقتصادية، وكذلك باختلاف ظروف اللاجئين أنفسهم.
وأوضحت أن من يعيشون في أطراف المدن أو خارجها، داخل معسكرات ومراكز إيواء تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، حيث يعاني الأطفال من الجوع والبرد، ويواجه كبار السن، لا سيما ذوو الأمراض المزمنة والإعاقات، بما في ذلك الإعاقات الناتجة عن الحرب، أوضاعًا صحية بالغة السوء، في ظل انعدام الرعاية الطبية واستمرار فترات اللجوء دون علاج كافٍ.
وتشير حنان إلى أن اللاجئين الذين يتواجدون داخل المدن في يوغندا، بعيداً عن المخيمات، يواجهون تحديات معقدة تتعلق بالفقر، وندرة فرص العمل، خصوصًا أولئك الذين انقطع تعليمهم الجامعي أو المدرسي بسبب الحرب. وتضيف "وحتى الحاصلين على شهادات تعليمية يواجهون عقبات إضافية، من بينها حاجز اللغة، الذي يشكّل عبئًا اقتصاديًا ونفسيًا. ورغم ذلك، تمكّن بعضهم من استكمال تعليمهم، ودخول أسواق العمل، ومحاولة الاندماج في المجتمعات المستضيفة، في ظل أوضاع إنسانية قاسية حيث أن كثيرين “ليسوا بخير”، حتى وإن بدت مظاهر الصمود".
لا اختلاف في ليبيا
في ليبيا حيث يتواجد اكثر من 200 ألف لاجيء سوداني، بحسب إحصاءات أممية، يقول الشفيع أحمد "عانيت كما حال كل الذين تقطعت بهم السبل ووجدوا انفسهم مضطرين للفرار والهروب من آلة الموت والدمار والخراب في الوصول لدولة ليبيا في رحلة اشبه برحلة الموت".
ويعاني اللاجئون السودانيون في ليبيا، مثل غيرهم في بقية الدول، بحسب وصف الشفيع فإنهم عانوا ويلات الحرب ودفعوا الثمن بالجملة "حرماناً من أرضهم وأسرهم إلى جانب الثمن النفسي والمادي.
وفق تقارير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبيانات رسمية، دخل أكثر من 210,000 سوداني ليبيا منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 حتى أبريل 2025 عبر حدودها الجنوبية، خصوصًا عبر منطقة الكفرة في الجنوب الشرقي.
من هؤلاء، حوالي 55,000–70,000 تم تسجيلهم رسميًا لدى مفوضية اللاجئين في طرابلس؛ أما العدد الحقيقي أكبر بكثير بسبب الدخول غير المنتظم وحركة الناس باتجاه المدن الساحلية.
تقول السلطات المحلية في الكفرة إنها أصدرت أكثر من 125,000 شهادة صحية للسودانيين في 2024، ما يشير إلى أعداد وصول تتجاوز الأرقام الرسمية.
البيانات المحلية تشير إلى أن العدد الفعلي من السودانين في ليبيا يمكن أن يكون أعلى من هذه التقديرات بسبب صعوبة جمع البيانات بسبب الحدود الواسعة وطبيعة الهجرة غير المنظمة.
معظم اللاجئين يأتون عبر طرق برّية صعبة عبر الصحراء من السودان ومن ثم عبر الكفرة، ويواجهون مخاطر شديدة مثل الحر الشديد، نقص الماء والطعام، والتعرض لعمليات النهب أو الاعتقال من قبل الجماعات المسلحة.
في مصر
تسنيم خوجلي، الصحفية التي لجأت إلى مصر بعد الحرب، تقول لـ"مواطنون" إن ذكرى استقلال السودان تأتي هذه السنة وأنا في حالة لجوء قسري بعد أكثر من عامين من الحرب المستمرة. وسط شعور بالحزن العميق والممزوج بالحنين للوطن، كأن الحنين كرة ثلج تتدحرج وتكبر مع كل يوم يمضي علي وأنا خارج الأراضي السودانية.
لكنها ترى ما حولها بشكل متفائل رغم هذا الوضع الاستثنائي، وتقول "ما يخفف على قلبي رؤية السودانيين في مصر كيف قاتلوا ليعيشوا ويخلقوا مجتمعًا قويًا. لقد نجحوا في خلق حياة اقتصادية حتى في المنفى، من خلال بيع منتجات سودانية في الأسواق المصرية مثل الأقاشي والعيش السوداني التي أصبحت موجودة تقريبًا في كل مكان".
وتضيف تسنيم بأن المجتمعات السودانية لا تفوت أي مناسبة وطنية، فتجدها تحتفل بكل مناسبة، من انتصارات الجيش إلى ذكرى الاستقلال، بروح جماعية، وبنفس الآمال والتطلعات للعودة إلى ديارهم.
حلم العودة
عاد فعلاً آلاف اللاجئين من دول الجوار خلال الفترة الماضية ولكن يظل حلم العودة الوطن يراود الجميع، ويتطلعون إلى أن تمضي مساعي السلام إلى غاياتها.
يتمنى صلاح الدين ليموني أن تكلل الجهود الدولية والإقليمية، الخاصة بالسلام وإعادة الإستقرار بالسودان، بالنجاح وأن تأتي بسلام حقيقي يشمل كل السودان وفي رأي علي القادة وصناع القرار أن يتحلوا بالشجاعة والحكمة اللازمة وتقديم مصالح شعبهم وحفظ البلاد من الإنقسام والتشرزم ولنا في التاريخ عبرة.
"ورغم قسوة الحرب التي لم تترك بيتًا سودانيًا إلا ودخلته بالفقد والألم، وفقد فيها كل شخصٍ تقريبًا أحد أحبته أو معارفه، إلا أن الحنين إلى الوطن والرغبة في العودة يظلان من أعظم تطلعات السودانيين في الخارج. فحلم العودة ما زال حاضرًا، والعشم معقود على الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى وقف الحرب وإحلال السلام".
هذا ما تراه حنان بحر التي تضيف بأن قطاعات واسعة من السودانيين والسودانيات يعملون عبر منصات متعددة، من منظمات مجتمع مدني، وأجسام وتنظيمات سياسية، ولجان مقاومة، وغرف طوارئ، وشبكات نسوية لمناهضة العنف ووقف الحرب، إضافة إلى مبادرات السلام والحد من خطاب الكراهية.
واشارت إلى أن النساء والشباب والشابات لعبوا دورًا محوريًا، عبر مشاركات محلية ودولية، بالتوازي مع صمود المتواجدين داخل السودان، حيث يجتمع الجميع على حلمٍ واحد: أن يعمّ السلام، ويعود المواطنون والمواطنات إلى ديارهم ووطنهم بكرامة وأمان.
الشفيع أحمد يتطلع، كحال كل السودانيين، في ذكرى الاستقلال هذا العام أن تتوقف الحرب بشكل مستدام وان يتحقق الامن والسلام وقال " أرجو أن تكون هذه الحرب الكارثية اخر كوابيسنا وان تضع البنادق وللابد وان يتحقق الاستقلال الحقيقي في عقولنا واستغلال مكتسباتنا والتمتع بحقوقنا ونبني سودانا بشكل مستقل وأن يكون استثمارنا الحقيقي في بناء الانسان وإعمار العقول وأن يصبح بلدنا حرا يتمتع إنسانه بالحرية والسلام والعدالة".
ورغم ان تسنيم خوجلي ترى أن الجهود الدولية والعديد من المبادرات التي طرحت لحل الأزمة السودانية من أجل وقف إطلاق النار وحماية المدنيين، إلا أن طريق السلام وتنزيله يعتمد بشكل أساسي على إرادة الأطراف السودانية وتقول "ما زالت التحديات كبيرة".
تحديات المشتركة
بواجه اللاجئون في البلدان المختلفة تحديات مشتركة في ظل عدم كفاية الموارد وإنخفاض التمويل الإنساني العالمي أدى إلى تقليص المساعدات الغذائية الأساسية والمساعدات النقدية في دول مثل مصر وإثيوبيا وتشاد.
وتظل الخدمات الصحية محدودة مع انعدام المياه النظيفة وضعف الخدمات الصحية، تتفشى أمراض معدية مثل الكوليرا والملاريا في المخيمات والبيئات المضيفة.


