تم النشر بتاريخ: ١٧ ديسمبر ٢٠٢٥ 08:35:30
تم التحديث: ١٧ ديسمبر ٢٠٢٥ 16:24:00

ممرضة في زمن الحرب في السودان: قصة عزة في مستشفى النو

المصدر: sihanet.org
عزة عبد الله ممرضة تبلغ من العمر ٢٩ عامًا، من أم درمان. عملت في مستشفى النو لعدة أشهر خلال الفترة الأولى للحرب في ولاية الخرطوم.

هذه قصتها.
عندما اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023، كانت عزة عبد الله تعمل في أحد مستشفيات أم درمان، إلا أنه خلال الأسبوع الأول من القتال امتلأ مستشفى النّو بالمصابين في حالات حرجة مما دفع فريق مستشفى النو لإطلاق نداء عاجل يدعو الأطباء والممرضين وغيرهم من العاملين والعاملات في المجال الطبي إلى التطوع في المستشفى. لم تتردد عزة في تقديم الدعم وتطوّعت فورًا.

وخلال بضعة أشهر، أصبح النو هو المستشفى الكبير الوحيد العامل في ولاية الخرطوم بأكملها. ووفقًا لمنظّمة الصحّة العالمية أصبحت 70٪ من المرافق الطبيّة غير قابلة للتشغيل أو خارج نطاق وصول المجتمعات خلال الأشهر العشرة الأولى من الحرب. كما تعرّض العاملون في القطاع الصحي للاستهداف عبر الاختطاف والقتل والترويع، في وقتٍ فرّ فيه الملايين من الخرطوم، بؤرة الصراع، بحثًا عن الأمان.

اعتمد المستشفى إلى حدٍّ كبير على المتطوعين والمتطوعات من المنطقة، مع تلقيه بعض الدعم عبر التمويل الجماعي ودعم المنظمات الدولية، ليتحوّل إلى منارة أمل وسط الحرب والدمار. ولم يكن ذلك ممكنًا لولا أشخاص مثل عزة، ممن واصلوا العمل وسط الاضطراب، والقصف اليومي، وحتى خلال تعرّض المستشفى للقصف المدفعي المباشر.

تقول عزة "كانت تلك المرة الأولى التي أدخل فيها مستشفى النو خلال الحرب. لقد كان الأمر صعبًا جدًا. وفي كثير من الأحيان، كان من المستحيل العودة إلى المنزل؛ لذلك كنت أبقى في المستشفى. وكانت هناك اشتباكات مستمرة. وفي الشهر الأول، عالجت جنود قوات الدعم السريع أيضًا. لدينا قسم طبي مهني يفرض علينا تقديم الرعاية للجميع".

جهود جماعية يقودها المتطوعون والمتطوعات
بعد الصدمة الأولى للاشتباكات، سارع سكان المنطقة إلى التكاتف وتنظيم أنفسهم. وأصبح المتطوعون والمتطوعات عنصرًا بالغ الأهمية في عمل المستشفى. وترى عزة أنّ هذا الجهد الجماعي، القائم على روح المجتمع، هو ما حافظ على تماسك المستشفى في أصعب اللحظات.

تستعيد عزة ذكرياتها قائلة «كان المتطوعون والمتطوعات يوفّرون لنا وسائل نقل لضمان عودتنا إلى منازلنا في أوقات انعدام الأمن وشحّ الوقود. كانوا يقومون بكل شيء، من تنظيف المستشفى إلى نقل أسطوانات الأكسجين للمرضى».

وتضيف «كان مستشفى النو مدفوعًا بالعمل المجتمعي. في البداية لم يكن هناك طعام. وكان الشباب من الأحياء المجاورة يجلبون لنا الطعام، بل وكان بعضهم يطهو لنا في البيوت المحيطة بالمستشفى. وكان هذا الطعام للممرضات، وحتى للمرضى».

لم يكن العمل في مستشفى النو خلال تلك الفترة القاتمة أمرًا سهلًا، لكن عزة واصلت العمل يومًا بعد يوم لمواجهة هذا الواقع.

تروي عزة "أكبر تحدٍّ واجهناه في الأيام الأولى كان النقص الحاد في أسطوانات الأكسجين. كان المرضى في حاجة ماسة إليها، وكنا للأسف الشديد نتوقع أن يفارق بعضهم الحياة بسبب عدم توفرها. في الأيام الأولى، لم يكن الموت نتيجة طلقات الرصاص فقط، بل نتيجة الصدمة أيضًا، وكانت معدلات الوفيات مرتفعة جدًا. عندما يسمع الناس صوت الاشتباكات، ينتابهم خوف شديد. أتذكّر امرأة سمعت إطلاق النار، فسقطت في الحمّام، وكسرت ساقها، ودخلت في غيبوبة سكّر. وقد توفيت لأنها لم تتمكن من الحصول على الأكسجين. وكانت الحالات التي تحتاج إلى تدخل جراحي أفضل حالًا من تلك التي تحتاج إلى الأكسجين".

كما تستذكر عزة صدمتها حين جاءت إحدى العاملات في الطاقم الإداري للمستشفى لفتح مكتب الحسابات خلال تلك الأيام الأولى. وتقول "أتذكر أنني قلت لها: لا يمكنك تحصيل أي رسوم من الناس في هذه الظروف. نحن نعمل هنا كمتطوعين، ولا نحصل على أي مقابل. بل على العكس، كنا نحاول جمع التبرعات لشراء الأدوية للمرضى المصابين بأمراض مزمنة".

مشاهدة الحرب عن قرب
اعتادت عزة العمل تحت الضغط، أمّا العمل تحت القصف المستمر والحصار كان أمرًا بالغ القسوة. فعلى الرغم من أنّ الحرب لم تصل رسميًا إلى منطقة كرري، حيث يقع مستشفى النو، إلا أنّ القصف الجوي باستخدام الطائرات المسيرة لم يتوقف، وكان المستشفى يستقبل أعدادًا هائلة من المرضى القادمين من مناطق الاشتباكات في الولاية.

تقول عزة "كنا نعمل في أوقات الاشتباكات، وكانت الأصوات عالية جدًا. وأتذكّر الضغط الكبير الذي واجهناه لأن مستشفانا، رغم كونه مستشفى مدنيًا، استقبل بعض المرضى العسكريين. وكانوا يطالبون بأن تكون الأولوية لهم، وكنا نتعرض للتهديد والترهيب. كما اتُّهمنا بعلاج جنود الدعم السريع. لذلك كان التوتر حاضرًا بشكل دائم. وحتى تنقّلنا بين المستشفى ومنازلنا كان بالغ الصعوبة؛ كنا نضطر إلى استخدام شوارع مظلمة، وكثيرًا ما أُوقفنا عند نقاط التفتيش، حيث كان الجنود ينظرون إلينا بريبة".

استمرت عزة في عملها لأنها كانت تؤمن أنّ العمل الذي تقوم به جوهريّ، كما وجدت المساندة من أسرتها، التي كانت حريصة على الاطمئنان عليها وضمان سلامتها، وأحيانًا كانت ترسل معها الطعام إلى المستشفى.

وتستعيد عزة بإعجابٍ قائلةً: "كانت الغالبية العظمى من المتطوعين في المستشفى من النساء والفتيات. لقد قدّمن الكثير. شعرت بأن عدد المتطوعات كان أكبر من عدد المتطوعين، وكذلك كان معظم الطاقم من النساء. فالمتطوعات، ومعظمهن من الحارة الثامنة حيث يقع المستشفى، قمن بعمل تطوعي واسع ودون مقابل، من أجل جعل بيئة المستشفى أفضل".

سويًا، واجهت عزة وبقية المتطوعين والمتطوعات أصعب الحالات وأكثرها إيلامًا.

تروي قائلة «أحد المتطوعين كان ينام في المستشفى ولم يعد إلى منزله قط، حتى يتمكن من مواصلة تقديم الرعاية للمرضى. سقطت قنبلة على منزل عائلته فأحضرهم إلى المستشفى. كانوا جميعًا مصابين، وكان المشهد مؤلمًا للغاية. وفي حالة أخرى، بينما كنت أعمل، رأيت إحدى صديقاتي تدخل المستشفى وهي ترتدي ثوب زفافها، ثوب الجرتك الأحمر. سألتها لماذا هي هنا، فأخبرتني أن والدها مريض ويعاني من مشكلة في القلب. بذلنا قصارى جهدنا، لكن المستشفى كان مكتظًا، وفي النهاية وافته المنيّة. تأثرنا جميعًا، حتى المرضى.»

نداء للتحرّك: الحاجة الملحّة إلى تحسين الرعاية الصحية`
كشف عمل عزة في ولاية الخرطوم خلال الحرب، ثم لاحقًا في سنجة بولاية سنّار، مدى هشاشة نظام الرعاية الصحية في السودان.

تقول عزة: «أتمنى لو أستطيع أن أصبح وزيرة لأُسهم في تحسين هذا الوضع. نحن بحاجة إلى العمل على البنية التحتية، مثل أنظمة الصرف الصحي. كما نحتاج إلى ثقافة أفضل، وإلى رفع الوعي، لضمان عدم استمرار الأوبئة، التي أراها مشكلة مزمنة تُثقل كاهل نظام الرعاية الصحية وتُرهق المجتمعات».

إلى جانب عملها في المجال الطبّي، بادرت عزة إلى افتتاح تكيّة (مطبخ مجتمعي) في سنجة. وقدّمت التكيّة الطعام، والفوط الصحية، وحقائب الكرامة، إلى جانب توفير مساحة آمنة للنساء والفتيات للاجتماع والتنظيم. وتوضح عزة «كان هناك عدد كبير من النازحين في سنجة، لكن كثيرين منهم عادوا الآن، ولهذا توقّف عمل التكيّة. وبدلًا من ذلك، أصبحت أنظّم سلالًا غذائية شهرية للأسر التي لا تزال في المنطقة».

قصة عزة كيف يمكن للعمل الطوعي أن يتحوّل إلى استجابة مجتمعية فاعلة في أوقات الشدّة، حين يتقدّم الأفراد، ولا سيما النساء، الصفوف الأمامية لخدمة المجتمعات.

معرض الصور