تم التحديث: ١٦ أغسطس ٢٠٢٥ 16:51:07

الصورة: Web Sites
التلوث
عبد الناصر فضل
إنتشرت أمراض التلوث في السودان بصورة كبيرة جدا متزامنة مع نيران الحرب ومتزايدة حتى بعد أن هدأت وتيرة القتال وتوقف الحوار الدامي في كثير من مدن السودان والعاصمة المثلثة على وجه التحديد، وبين كل 10 زوار لمستشفى أو مركز صحي أو عيادة خاصة، هناك 8 أشخاص يعانون من آلام في البطن، وإضطرابات في المعدة وإلتهابات القولون وحميات الملاريا والتايفويد والتسمم وغيرها من أمراض التلوث المباشر.
غياب تام لعمليات إصحاح البيئة من رش برك المياه الراكدة ومبيدات البعوض والحشرات والآفات الناقلة للأمراض، المأكولات مفروشة على الأرض دون رقيب أو حسيب، ومعظم المطاعم المفتوحة الآن تعمل بعيدا جدا عن إشتراطات إصحاح البيئة، الأمر الذي أدى إلى إرتفاع نسبة الأمراض وسط المواطنين بصورة مزعجة، وأصبح من المسلمات إصابة المواطنين الذين يعتمدون في وجباتهم على المطاعم المنتشرة في الأسواق والشوارع العامة بأمراض التلوث.
المحليات التي فتحت أبوابها للجبايات فقط، تجاهلت الكثير من واجباتها وأهمها إصحاح البيئة ومراجعة الكروت الصحية للمطاعم القديمة و التي فتحت حديثا بعد إندلاع الحرب، بإعتبار أن الكروت الصحية لا تمنح إلا لمن يستوفي الشروط المطلوبة قبل ممارسة نشاطه، والشروط المطلوبة تتمثل في المحافظة على النظافة وخلو المكان المحيط من إمكانية تلوث مايتم تقديمه من طعام للزبائن.
أما أخطر أنواع التلوث الآن، تلوث المياه، وفي عدد كبير من أحياء العاصمة المثلثة يستخدم المواطنين مياه ملوثة نسبة لإنقطاع خطوط المياه الرئيسية و إعتماد المواطنين في تلك الأحياء على الأبار القديمة، والتي تأتي عبر خطوط قابلة للإختلاط مع مياه الصرف الصحي، في ظل غياب التنقية من الشوائب والرواسب و المواد الملوثة وهي ميزة لا تتوفر إلا في الخطوط الحديثة لنقل المياه.
غياب خدمات المياه الصحية كارثة إنسانية كبيرة لا تقل عن الكوارث الإنسانية في مناطق الحصار و النزاع المسلح، ولا تقل عن جريمة الإبادة الجماعية، و تجاهل السلطات لعمليات تشغيل الأبار القديمة ومرور المياه عبر خطوط منهارة وتعاني من عمليات الصدى والتلوث و قابلية الإختلاط بمياه الصرف الصحي سيؤدي إلى مضاعفة حالات الفشل الكلوي وأمراض الكبد والسرطانات وغيرها من الأمراض المستعصية.
تلوث المياه واحدة من أكبر كوارث الحرب وتداعياتها المدمرة، وتجاهل السلطات لتلك الأزمة المستفحلة سيدفع ثمنه المواطن أمراضا قاتلة.

