تم التحديث: ١٣ أغسطس ٢٠٢٥ 23:15:52

حرب تصفية ديسمبر
يوسف عبد الله
لم تعرف البلاد منذ استقلالها حرباً كالتي اندلعت في الخامس عشر من أبريل. فهي ليست مثل نزاعات الأطراف التي اعتدناها، بل حرب جرت في قلب السلطة نفسها، حيث التحم الجيش بقوات الدعم السريع في صراع داخلي فجّر الخرطوم وأوصل الدولة إلى حافة الانهيار. هذه الحرب، بكل دمويتها، لم تكن مجرد مواجهة بين جنرالين، بل محاولة منظمة لتصفية ثورة ديسمبر ودفن شعارها “حرية، سلام، وعدالة” تحت ركام البنادق والطائرات المسيّرة.
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن المعركة تتحرك على جبهتين: الأولى بالسلاح، والثانية بالعقول. فبينما تتطاير القذائف في السماء، كانت ماكينة الدعاية تعمل بلا توقف، تغذّي الخوف وتبث خطاب التضليل لتعيد إنتاج الفكرة القديمة: أن المظاهرات هي أصل الخراب، وأن الثورة لم تجلب سوى الفوضى. إنها رواية جاهزة، لكنها تحجب الحقيقة: الحرب صُنعت بوعي لإجهاض مشروع ديسمبر، واستعادة قبضة السلاح على الدولة.
منذ الاستقلال، ظل السودان سجين معادلة ثابتة: الكرسي للبندقية. تُدار البلاد من داخل الثكنات، وتُحكم بمنطق الطوارئ لا بالدستور. تمددت المؤسسة العسكرية والأمنية في السياسة والاقتصاد، وصارت شبكاتها أوسع من أن تُفكّك. وحين أضيفت حروب الجنوب ودارفور وكردفان، أصبح السلاح سيد المشهد، والدولة مجرد واجهة هشّة.
كانت ثورة ديسمبر لحظة كسرت المعادلة. لم تكن هبّة جوع، بل مشروعاً لبناء دولة مدنية. رفعت شعارات الحرية والسلام والعدالة، وأسقطت رأس النظام، لكنها لم تقتلع جذوره الأمنية والاقتصادية. أولئك الذين حكموا باسم الإنقاذ لم يختفوا، بل أعادوا تنظيم أنفسهم في الظل، ينتظرون ساعة الصفر للانقضاض.
منذ سقوط البشير، بدأت كوادره في التموقع من جديد داخل مؤسسات الدولة، وبعضها وجد طريقه إلى مواقع القرار في الجيش والدعم السريع. ومع انقلاب 25 أكتوبر 2021، فتحت لهم الأبواب على مصراعيها: قُطع الطريق على الانتقال المدني، وأُعيد ترتيب المسرح كما كان قبل الثورة. وحين جاء الحديث عن دمج الدعم السريع وإصلاح القطاع الأمني، كانت الحرب هي الورقة الأخيرة التي يمتلكونها لإغراق البلاد في الفوضى، ثم العودة من بين الركام بلباس “المنقذين”.
لم يكن القصف، النهب، وحياة الخوف اليومية عرضاً جانبياً للحرب، بل جزءاً من خطتها. الهدف إقناع السودانيين أن الثورة جلبت الخراب، وأن البديل عن حكم العسكر هو الفوضى. إنها ليست مجرد معركة سلطة، بل محاولة لمحو ذاكرة ديسمبر نفسها، وتجريد الناس من اللحظة التي تجرأوا فيها على قول: "تسقط بس".
الثورة لم تبدأ الحرب. الثورة كانت محاولة لإنقاذ البلاد من الحرب الدائمة. أما الحرب فهي صناعة خصومها: جنرالات السلاح وفلول النظام السابق، الذين قرروا أن الخرطوم يمكن أن تُحرق عن بكرة أبيها إذا كان ذلك ثمن عودتهم إلى الحكم.
وكعادة أهل الإنقاذ، يعودون إلى المشهد كما يعود الممثل الكوميدي في الفصل الأخير من المسرحية: بملابس نظيفة ووجوه متجهمة، ليقولوا للجمهور المرهق: “ها قد عدنا لننقذكم”. يخرجون من تحت الدخان وكأنهم لم يشعلوا النار، يتحدثون عن الأمن وكأنهم لم يزرعوا الفوضى، وعن الوطن وكأنهم لم يبيعوه من قبل. مشكلتهم أنهم لم يدركوا بعد أن السودانيين، بعد ديسمبر، لم يعودوا يشترون بضاعة “المنقذ” مهما غُلّفت بورق هدايا.

