تم التحديث: ١١ أغسطس ٢٠٢٦ 15:30:57
بسبب المياه الملوثة.. مخيمات دارفور تواجه أزمة إنسانية متفاقمة
مواطنون
تواجه مخيمات النازحين في إقليم دارفور تدهورًا متسارعًا في الأوضاع الإنسانية والصحية، في ظل نقص حاد في الغذاء والدواء، وتراجع خدمات المياه والصرف الصحي، وانتشار الأمراض، بينما يثير موسم الأمطار مخاوف من تفاقم الأوضاع الصحية وانتشار الأوبئة على نطاق أوسع.
وقالت المنسقية العامة لمخيمات النازحين واللاجئين في السودان، في بيان صحفي صدر الثلاثاء، إن الوضع الإنساني داخل مخيمات دارفور بلغ مستويات بالغة الخطورة، محذرة من أن ملايين النازحين يعيشون في ظروف قاسية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة.
تأتي هذه التحذيرات في وقت يعيش فيه النازحون منذ سنوات تحت وطأة النزوح المتكرر وفقدان المساكن ومصادر الدخل، إضافة إلى تراجع القدرة على الحصول على الغذاء والمياه الآمنة والرعاية الصحية، الأمر الذي يجعل المخيمات أكثر عرضة للأمراض والأوبئة.
12 حالة كوليرا في منطقة طويلة
أفادت المنسقية بتسجيل 12 حالة إصابة بالكوليرا في منطقة طويلة منذ الخامس من يوليو وحتى 11 أغسطس الجاري، من دون تسجيل وفيات، مشيرة إلى أن معظم الحالات تتركز في مخيم دبانيرة.
ووصفت المخيم بأنه أصبح بؤرة وبائية تهدد حياة النازحين، محذرة في الوقت نفسه من احتمال انتقال العدوى إلى مخيمات ومجتمعات أخرى، خصوصًا في ظل موسم الأمطار وتلوث مصادر المياه.
كما أشارت إلى وجود حالات متفرقة في مخيمات أخرى بدارفور، وهو ما يزيد المخاوف من تحول الإصابات المحدودة إلى تفشٍ أوسع، إذا لم تتخذ إجراءات عاجلة للسيطرة على المرض وتحسين ظروف المياه والإصحاح والنظافة.
وتحتاج مواجهة الكوليرا، في مثل هذه البيئات الهشة، إلى أكثر من الاستجابة للحالات المصابة، إذ يرتبط انتشار المرض بصورة وثيقة بتوفير مياه شرب مأمونة، وتحسين الصرف الصحي، والتخلص الآمن من النفايات، وتعزيز التوعية الصحية، إلى جانب سرعة اكتشاف الحالات وعزلها وتوفير العلاج اللازم.
المياه الملوثة تهدد النازحين
تضع أزمة المياه النازحين أمام أحد أخطر التحديات الصحية داخل المخيمات. ووفقًا للمنسقية، يعتمد معظم السكان على مصادر مياه غير مأمونة، في ظل محدودية مصادر المياه النظيفة وضعف البنية التحتية الخاصة بالإصحاح.
وتزداد خطورة الوضع خلال موسم الأمطار، عندما يمكن أن تتعرض مصادر المياه للتلوث، خصوصًا في المناطق المكتظة التي تفتقر إلى شبكات صرف صحي ومرافق مناسبة للتخلص من الفضلات.
ولا تقتصر تداعيات نقص المياه الآمنة على الكوليرا وحدها، إذ يمكن أن يؤدي تلوث المياه وضعف خدمات النظافة إلى انتشار عدد من الأمراض المرتبطة بالمياه والإصحاح، في وقت تعاني فيه المخيمات أصلًا من محدودية الوصول إلى الخدمات الطبية.
سوء التغذية يضاعف المخاطر
يشكل نقص الغذاء عاملًا آخر يزيد هشاشة السكان داخل مخيمات النزوح، ولا سيما الأطفال والنساء. وحذرت المنسقية من تداعيات سوء التغذية على قدرة الجسم على مقاومة الأمراض، مشيرة إلى أن الأطفال والنساء يواجهون مخاطر صحية مضاعفة في ظل نقص الغذاء والدواء والخدمات الطبية.
وتصبح هذه المخاطر أكثر حدة عندما يتزامن سوء التغذية مع الإصابة بالأمراض المعدية، إذ يمكن أن يؤدي ضعف الحالة الغذائية إلى إطالة فترة المرض وزيادة الحاجة إلى الرعاية الطبية، في وقت تواجه فيه المرافق الصحية صعوبات كبيرة في توفير الأدوية والمستلزمات الأساسية.
ولادات في ظروف قاسية
لا تتوقف الأزمة عند الغذاء والمياه والأمراض، إذ تواجه النساء الحوامل والمرضعات ظروفًا صحية صعبة داخل المخيمات.
وقالت المنسقية إن بعض عمليات الولادة تتم من دون رعاية صحية ملائمة أو مستلزمات طبية أساسية، الأمر الذي يعرض الأمهات والمواليد لمخاطر يمكن تفاديها في حال توافر خدمات الرعاية الصحية الأساسية.
وتزداد صعوبة الوضع مع تدهور الخدمات الصحية ونقص الكوادر والمستلزمات، بينما تضطر أعداد كبيرة من النازحين إلى الاعتماد على إمكانات محدودة لتلبية احتياجاتهم الصحية اليومية.
خيام متهالكة وأسر بلا حماية
بحسب البيان، تعيش آلاف الأسر النازحة في خيام ومساكن متهالكة لا توفر الحماية الكافية من الأمطار والظروف المناخية، في وقت تواجه فيه هذه الأسر نقصًا في الغذاء والمياه والخدمات الأساسية.
وتجعل هشاشة المأوى من موسم الأمطار تحديًا إضافيًا للنازحين، خصوصًا في المخيمات المكتظة التي تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة لتصريف مياه الأمطار وحماية مصادر المياه من التلوث.
وتقول المنسقية إن الأزمة الإنسانية في دارفور لا يمكن اختزالها في انتشار مرض أو نقص سلعة بعينها، وإنما هي أزمة متشابكة تتداخل فيها الحرب والنزوح والفقر وانهيار الخدمات الأساسية.
مطالب باستجابة عاجلة
طالبت المنسقية العامة لمخيمات النازحين واللاجئين المنظمات الإنسانية بتوفير الغذاء والدواء بصورة عاجلة، ودعت الوكالات الصحية الدولية إلى إرسال اللقاحات والمستلزمات الطبية الضرورية وتعزيز الاستجابة للأمراض الوبائية.
كما طالبت المجتمع الدولي بالضغط على أطراف النزاع لضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين والنازحين من دون عوائق أو تسييس، مؤكدة أن المساعدات الإنسانية تمثل ضرورة لإنقاذ حياة السكان الأكثر ضعفًا.
ودعت المنسقية وسائل الإعلام إلى تكثيف التغطية الإعلامية للأزمة الإنسانية في دارفور، وتسليط الضوء على أوضاع النازحين، خصوصًا الأطفال والنساء وكبار السن.
أزمة تتجاوز حدود المخيمات
يشير الوضع الذي وصفته المنسقية إلى أن المخاطر الصحية في مخيمات دارفور لا تنفصل عن الأزمة الإنسانية الأوسع التي خلفتها الحرب والنزوح.
فانتشار مرض مثل الكوليرا في بيئة تفتقر إلى المياه الآمنة والصرف الصحي، مع وجود سوء تغذية ونقص في الرعاية الطبية، يمكن أن يحول الحالات المحدودة إلى أزمة صحية أوسع إذا لم تتوافر استجابة سريعة وفعالة.
وتحتاج الاستجابة، إلى جانب علاج المصابين، إلى إجراءات وقائية تشمل توفير مياه شرب آمنة، وتأهيل مصادر المياه، وتحسين الصرف الصحي، وتوفير مستلزمات النظافة، وتعزيز المراقبة الوبائية، وضمان وصول الفرق الطبية والإمدادات إلى المناطق المتضررة.
وتحذر المنسقية من أن استمرار الوضع الراهن يعني بقاء ملايين النازحين في دائرة متصلة من المرض والجوع وفقدان المأوى الآمن، مؤكدة أن الاستجابة الإنسانية العاجلة لم تعد مسألة قابلة للتأجيل، بل ضرورة لإنقاذ الأرواح والحفاظ على الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية للنازحين في دارفور.
