تم النشر بتاريخ: ٩ أغسطس ٢٠٢٦ 16:57:55
تم التحديث: ٩ أغسطس ٢٠٢٦ 17:00:50

``نأكل كي لا نموت``: الحياة اليومية في ظل الجوع في السودان

المصدر: الشرق الأوسط
استيقظت نهلة خليفة في الخامس عشر من أبريل 2023 على دويّ المدفعية في أم درمان. لم تكن لتتخيل أن الحرب التي أجبرتها هي وأطفالها الخمسة على الاختباء تحت الأسرة والطاولات ستقلب رأساً على عقب حتى أبسط مقومات حياتهم: الطعام والماء والدواء.

في البداية، اعتمدت الأسرة على ما تبقى من مؤن رمضان. إلا أن الإمدادات كانت شحيحة. فقد بدأت الأزمة الاقتصادية في السودان قبل سنوات من اندلاع النزاع، وكانت الرواتب غير كافية لتلبية احتياجات العديد من الأسر.

«نأكل كي لا نموت»
أجبرت سنوات من الضائقة المالية معظم السودانيين على تقليص وجباتهم اليومية إلى وجبتين. ومع استمرار القتال واشتد، تناقصت مخزونات الأسر، ولم يبقَ سوى الخبز اليابس وكميات قليلة من العدس أو الفول التي توفرها المطابخ الجماعية، المعروفة باسم "التقايات"، كغذاء أساسي.

قالت نهلة لصحيفة الشرق الأوسط: "كنا نأكل طعامًا بسيطًا كي لا نموت جوعًا". اختفى اللحم والحليب والخضراوات والفواكه من غذاء الأسرة، حتى أن فنجان الشاي أصبح ترفًا. كان أطفالها ينامون جائعين وخائفين في كثير من الأحيان، وتدهورت صحة زوجها المصاب بالسكري وسط ندرة الغذاء ومحدودية الوصول إلى العلاج.

بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات، لم تعد تجربة نهلة مجرد انعكاس لأيام النزاع الأولى. فقد تحول نقص الغذاء إلى حالة طوارئ على مستوى البلاد، تفاقمت بسبب استمرار القتال، وانهيار الجنيه السوداني، وفقدان سبل العيش، وتدهور الخدمات العامة.

انهيار العملة
تجاوز سعر صرف الجنيه السوداني مؤخرًا 6000 جنيه للدولار في السوق الموازية، مقارنةً بأسعار تتراوح بين 3500 و4000 جنيه في مكاتب الصرافة.

أخبر أحد تجار العملات صحيفة الشرق الأوسط أن انهيار الجنيه أدى فورًا إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية، حيث تراجعت القدرة الشرائية للأسر إلى مستويات غير مسبوقة.

أشار الخبير الاقتصادي محمد الناير إلى أن الجنيه السوداني ظل مستقرًا نسبيًا لنحو ثلاثة أشهر، حيث تراوح سعر صرفه بين 5500 و5800 جنيه للدولار، قبل أن يتراجع مجددًا هذا الأسبوع.

وأوضح الناير أن التضخم والفقر والبطالة وانخفاض قيمة العملة هي نتائج متوقعة لاقتصاد زمن الحرب، على الرغم من أن تخفيف حدة القتال في بعض المناطق سمح باستئناف النشاط الاقتصادي تدريجيًا.

وأكد أن أي انتعاش مستدام للجنيه يعتمد جزئيًا على السيطرة على موارد الذهب في السودان. فقد بلغ الإنتاج الرسمي نحو 70 طنًا العام الماضي، بينما لم تتجاوز الصادرات المعلنة 20 طنًا. ويمكن للحد من التهريب والسماح للبنك المركزي بالاحتفاظ بجزء من الإنتاج كاحتياطيات أن يدعم العملة، في حين أن اتساع الفجوة بين أسعار الصرف الرسمية وأسعار السوق الموازية يُهدد بتحويلات المغتربين السودانيين.

مشكلة مزمنة
يرى إبراهيم أحمد أونور، أستاذ الاقتصاد والمالية بجامعة الخرطوم، مشاكل هيكلية أعمق وراء تراجع قيمة الجنيه، مشيرًا إلى غياب سياسة نقدية فعالة وضعف التنسيق مع السياسة المالية.

أوضح أن محدودية أدوات البنك المركزي جعلت سعر الصرف عرضةً للمضاربة في السوق الموازية، في حين لم تُستغل عائدات الذهب بشكل كافٍ لدعم العملة وتمويل واردات القمح والوقود والأدوية.

ودعا أونور إلى إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وإعادة تقييم أصول البنوك، وزيادة رأس المال، ودمج البنوك المتعثرة. وحذر من أنه بدون استراتيجية نقدية ومالية متماسكة، سيستمر الضغط على الجنيه الإسترليني.

الأزمة على أرض الواقع
تُترجم أرقام الاقتصاديين إلى واقعٍ أكثر قسوةً في أسواق السودان.

قال إبراهيم إدريس، صاحب متجر بقالة، لصحيفة الشرق الأوسط، إن رأس ماله العامل لم يعد يكفي لشراء الكميات التي كان يشتريها سابقًا، مما يضطره إلى التركيز على السلع الأساسية مع انخفاض الطلب على المنتجات الأخرى.

عبوة زيت الطهي زنة 36 رطلاً، والتي كانت تُباع بحوالي 170 ألف جنيه قبل النزاع، تُباع الآن بحوالي 350 ألف جنيه، بينما قد يرتفع سعر كيس البصل من 5 آلاف إلى 7 آلاف جنيه في يوم واحد.

لكن بالنسبة لإدريس، فإن المؤشر الأوضح هو سجل ديونه غير المسددة. يتزايد إقبال الزبائن على الشراء بالتقسيط، في حين أن الكثيرين لم يعودوا قادرين على سداد ديونهم بعد فقدان وظائفهم أو مصادر رزقهم الأخرى.

انخفاض دخل الأسر
لا يضمن العمل وحده الأمن. أوضحت أمل عبد الله، وهو اسم مستعار، أنه على الرغم من أن جميع أبنائها يعملون، إلا أن دخل الأسرة مجتمعًا لا يكفي لتغطية نفقات الطعام والرعاية الطبية. قبل النزاع، كانت تتلقى أدوية زراعة الكلى مجانًا. أما الآن، فتضطر إلى دفع ثمنها بنفسها، فتضطر أحيانًا إلى استيراد الأدوية من مصر والاقتراض من البقال لتغطية نفقاتها.

وقالت لصحيفة الشرق الأوسط: "في بعض الأيام، تكتفي عائلتي بوجبة واحدة هزيلة".

وتعكس هذه الروايات مؤشرات الأمن الغذائي التي تُظهر أن ملايين السودانيين يواجهون جوعًا حادًا. وتزداد الأوضاع سوءًا في دارفور وكردفان المنكوبتين بالنزاع، حيث تتجاوز المشكلة ارتفاع الأسعار لتشمل اضطراب الأسواق والطرق والزراعة، فضلًا عن محدودية وصول المساعدات الإنسانية.

إغلاق المطابخ الجماعية
في الخرطوم، ساهمت المطابخ الجماعية في سدّ جزء من هذا النقص لفترة من الزمن.

ويتذكر عثمان الجندي، المشرف على عدد من المطابخ الجماعية، أنها كانت تُقدّم وجبة واحدة يوميًا. وقد أُغلقت العديد منها منذ ذلك الحين بسبب تضاؤل التمويل وارتفاع تكاليف المواد الغذائية وعودة المتطوعين إلى العمل أو الدراسة.

وأشار إلى أن عودة السكان إلى بعض أحياء العاصمة لم تُلغِ الحاجة إليها. عاد كثيرون بلا وظائف أو مصادر رزق، بينما أدى القتال في كردفان إلى تدفق جديد للنازحين.

يُعدّ الأطفال وكبار السن والنساء وذوو الإعاقة من بين الفئات الأكثر اعتمادًا على الوجبات.

قال الجندي: "أفقرت الحرب الأغنياء وزادت الفقراء فقرًا".

نقصٌ يتجاوز الغذاء
لا يُنهي تأمين وجبةٍ المعاناة. فانقطاع التيار الكهربائي يُعطّل مضخات المياه ويُعطّل عمل المخابز والورش والمتاجر.

صرح أحمد عبد الله، المدير العام لشركة كهرباء السودان القابضة، لصحيفة الشرق الأوسط، بأن القطاع تكبّد خسائر فادحة، وأن أعمال الصيانة جارية على خطوط النقل والتوزيع والمحولات مع إعادة توصيل المناطق السكنية تدريجيًا.

تذكرت نهلة أنه خلال انقطاع طويل للمياه، أعاد شبان من حيّها فتح آبار قديمة للحصول على مياه الشرب. كما أجبرت موجات الحر الشديدة وانقطاع الكهرباء العائلات أحيانًا على الجلوس والنوم في العراء بحثًا عن نسمة هواء.

خلال موسم الأمطار، تُشكّل خدمات المياه والكهرباء المتقطعة خطرًا صحيًا إضافيًا.

حذّر محمد الحسن الأمير، مدير إدارة الطب الوقائي بولاية الخرطوم، من الملاريا والإسهال المائي وأمراض الجهاز الهضمي وحمى الضنك. وتُسهّل البرك الراكدة وسوء الصرف الصحي وتراكم النفايات وتلوث المياه انتشار الأمراض، في حين أدّى تعليق بعض إجراءات المكافحة خلال القتال إلى توسيع نطاق بيئة البعوض الناقل لحمى الضنك.

وقد تفاقمت المصاعب التي يواجهها السودان: فقد شلّ الصراع الإنتاج والتوظيف، وأدّى انهيار الجنيه إلى ارتفاع الأسعار، وقلّل انخفاض القدرة الشرائية من كمية ونوعية الوجبات، وأضعف إغلاق المطاعم الشعبية أحد آخر شبكات الأمان الاجتماعي المتبقية. وفي الوقت نفسه، يزيد انقطاع الكهرباء والمياه من خطر انتشار الأمراض.

بالنسبة لنهلة، يمكن تلخيص سنوات من الصراع في صورة واحدة: أطفالها ينامون جائعين، وزوجها المريض يحتاج إلى دواء، ومائدة عائلية تقتصر على وعاء من العدس من مطبخ مشترك - عندما يكون متوفراً - مما يمثل الخط الرفيع بين الموت جوعاً والبقاء على قيد الحياة ليوم آخر.

معرض الصور