تم التحديث: ١١ أبريل ٢٠٢٦ 14:49:06

أزمة النسيج الاجتماعي في الخرطوم بعد الحرب
الأصمعي باشري
شهدت ولاية الخرطوم منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023 تحولات عميقة لم تقتصر على البنية المادية والاقتصادية، بل امتدت لتصيب جوهر المجتمع نفسه، أي النسيج الاجتماعي الذي ظل لعقود يتسم بدرجة من التماسك والتعايش رغم التنوع الكبير.
فالحرب، بما حملته من عنف مباشر وغير مباشر، أفرزت واقعًا اجتماعيًا معقدًا يتسم بالشك والتوجس والانقسام داخل المجتمعات المحلية، حتى داخل الحي الواحد وبين الجيران، حيث لم تعد العلاقات الاجتماعية كما كانت، بل أصبحت محكومة بالخوف والريبة والاتهامات المتبادلة.
فقدان الثقة:
تجلت أزمة النسيج الاجتماعي في الخرطوم في صور متعددة، أبرزها انتشار الاتهامات بين السكان بالانتماء إلى أحد أطراف النزاع أو التعاون معه، وهي اتهامات لم تبق في إطار الأحاديث اليومية، بل تحولت إلى مواقف عملية تمثلت في القطيعة الاجتماعية والتهديد، بل وأحيانًا العنف اللفظي والجسدي.
ترافق ذلك مع تآكل واضح في الثقة، وهي الركيزة الأساسية لأي مجتمع متماسك، إذ أصبح الجيران الذين كانوا يتشاركون تفاصيل الحياة اليومية ينظرون إلى بعضهم البعض بعين الشك، مما أدى إلى تفكك الروابط الاجتماعية داخل الأحياء التي كانت تمثل سابقًا نماذج للتعايش.
كما ساهمت عمليات النزوح والتهجير القسري في تفكيك الشبكات الاجتماعية، حيث غادر كثير من السكان منازلهم، وفقدوا علاقاتهم اليومية التي كانت تعزز التماسك، وفي المقابل دخلت مجموعات جديدة إلى بعض المناطق دون وجود معرفة سابقة أو روابط اجتماعية، مما زاد من احتمالات التوتر والاحتكاك.

لا يمكن فهم هذه الأزمة بمعزل عن سياق الحرب نفسها، حيث خلق العنف المستمر، من قتل واعتقال وانتهاكات، حالة نفسية عامة يسودها الخوف والصدمة، وفي مثل هذه الظروف يميل الأفراد إلى الانكفاء على ذواتهم والتعامل مع الآخرين بحذر شديد، بل وربما بعدائية استباقية. كما لعبت الدعاية والحرب الإعلامية دورًا كبيرًا في تعميق الانقسام، من خلال خطاب يقوم على التخوين والتجييش، ومع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الشائعات تنتشر بسرعة كبيرة، وتؤثر بشكل مباشر على العلاقات الاجتماعية، حيث تُبنى مواقف حادة أحيانًا على معلومات غير دقيقة أو غير مؤكدة.
خطابات الانقسام:
يضاف إلى ذلك غياب مؤسسات الدولة أو ضعفها، وهو عامل أساسي في تفاقم الأزمة، إذ إن الدولة عادة تضطلع بدور الضامن للأمن والاستقرار. عندما يغيب هذا الدور، يحاول الأفراد أو المجموعات ملء الفراغ بوسائل قد تكون قائمة على الحماية الذاتية أو الانتقام، مما يزيد من حدة التوتر والانقسام.
إن استمرار هذا الوضع ينذر بآثار طويلة المدى قد تتجاوز فترة الحرب نفسها، إذ إن تفكك النسيج الاجتماعي قد يؤدي إلى ترسيخ الانقسامات داخل المجتمع، ويجعل من الصعب إعادة بناء الثقة لاحقًا، كما أن الأجيال التي تنشأ في بيئة يسودها الخوف والشك قد تتشرب هذه القيم وتعيد إنتاجها في المستقبل. كذلك فإن غياب الثقة يمثل عائقًا كبيرًا أمام أي جهود لإعادة الإعمار أو التنمية، لأن العمل الجماعي يتطلب حدًا أدنى من الثقة المتبادلة، وهو ما يتآكل في مثل هذه الظروف.
رغم خطورة هذه التحديات، فإن إعادة ترميم النسيج الاجتماعي تظل ممكنة إذا توفرت الإرادة والآليات المناسبة. يأتي في مقدمة ذلك وقف الحرب وتهيئة بيئة آمنة، باعتبار أن استمرار العنف يقوض أي محاولة للإصلاح الاجتماعي. كما أن تعزيز خطاب المصالحة والتسامح يمثل خطوة مهمة في هذا الاتجاه، ويمكن أن يلعب قادة المجتمع المحلي ورجال الدين والمثقفون دورًا محوريًا في نشر هذا الخطاب، من خلال مبادرات مجتمعية تعيد بناء الثقة وتشجع على التعايش.
كذلك تبرز أهمية تبني آليات للعدالة الانتقالية، تقوم على الاعتراف بالانتهاكات ومعالجتها، بما يسهم في تخفيف الاحتقان ومنع تكرارها، إلى جانب إعادة بناء المؤسسات المحلية مثل لجان الأحياء بشكل حيادي، لتكون منصات للحوار وحل النزاعات بطرق سلمية.
ولا يقل أهمية عن ذلك العمل على مكافحة الشائعات وتعزيز الوعي المجتمعي بخطورتها، وتشجيع استخدام وسائل الإعلام لنشر قيم التماسك والتضامن بدلًا من الانقسام، إضافة إلى تقديم الدعم النفسي للسكان المتأثرين بالحرب، لأن معالجة الآثار النفسية تسهم بشكل مباشر في تحسين العلاقات الاجتماعية وتقليل مشاعر الخوف والعدائية. كما ينبغي الاهتمام بإعادة دمج النازحين في مجتمعاتهم أو في مجتمعات جديدة بطريقة تراعي الحساسية الاجتماعية وتمنع نشوء صراعات جديدة.
اعمار النفوس:
إن أزمة النسيج الاجتماعي في الخرطوم تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب، لأنها لا تتعلق فقط بالحاضر، بل تمتد إلى مستقبل المجتمع بأكمله، فإعادة بناء البنية التحتية قد تكون ممكنة خلال فترة زمنية محدودة، لكن إعادة بناء الثقة بين الناس تتطلب وقتًا أطول وجهدًا متواصلًا. ومع ذلك، فإن قدرة المجتمعات على التعافي تظل قائمة، إذا ما توفرت رؤية واضحة وإرادة جماعية صادقة لمعالجة جذور الأزمة والعمل على تجاوزها نحو مستقبل أكثر استقرارًا وتماسكًا.


