تم النشر بتاريخ: ٨ أبريل ٢٠٢٦ 14:43:12
تم التحديث: ٨ أبريل ٢٠٢٦ 14:47:33

الصورة: english.news.cn

معلم سوداني، تلميذ في عالم النزوح

متابعات ـ مواطنون
المصدر: english.news.cn
اسمي حمودة إبراهيم، عمري 52 عامًا، وكنتُ حتى وقت قريب أُدرّس اللغة العربية في الخرطوم. كانت أيامي تبدأ مع دقات جرس المدرسة وتنتهي بدفاتر مُصحّحة، وأحلام صغيرة مليئة بالأمل لطلابي.

لسنوات، اعتقدتُ أن رسالتي في الحياة هي تعليم طلابي، من خلال الشعر والنثر، معنى "الوطن". لم أتخيل يومًا أنني سأضطر إلى تعلّم معنى فقدانه، أو أن أُعلّم أبنائي درسًا لم أُحضّره لهم قط: كيف يتركون وطنهم وراءهم.

في جبرة، حيّ جنوب الخرطوم، كان منزلنا بسيطًا لكنه دافئ. شجيرات زرعتها تُزيّن الفناء. نافذة تُطلّ على شارع نابض بالحياة. رسومات أطفالي تُغطّي الجدران.

ثم اندلعت الحرب.

منذ أبريل 2023، دخلت القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في صراع. سرعان ما انحصرت حياتنا في صوت واحد: دويّ الانفجارات.

بعد حوالي 25 يومًا من بدء القتال، لم يعد البقاء ممكنًا. ملأ الدخان السماء، وشقّ القصف الليل. في صباحٍ عاصف، حزمتُ بعض الملابس في حقائب صغيرة. نظرتُ إلى زوجتي وأطفالنا الأربعة، لكنني لم أجد الكلمات لأشرح لهم سبب اضطرارنا للرحيل.

سافرنا برًا من جبرة إلى ولاية النيل الأبيض، ثم عبرنا إلى أعالي النيل في جنوب السودان، وأخيرًا سافرنا جوًا إلى عاصمتها جوبا. في كل محطة، شعرتُ وكأنني أفقد جزءًا من هويتي.

بعد عدة أشهر في جوبا، انتقلنا إلى أوغندا في سبتمبر 2023 وسجلنا كلاجئين. استقررنا في مخيم على مشارف كمبالا، حيث كانت الخيام متقاربة. تعالت أصوات الأطفال بلغات مختلفة. كنا جميعًا ننتظر بفارغ الصبر.

لم تكن الحياة هناك مجرد معاناة مادية، بل كانت اختبارًا يوميًا للكرامة.

كانت خيمتنا، وهي عبارة عن قماش رمادي سميك ممتد على أرض جرداء، خانقة الحرارة تحت شمس الظهيرة، وتتحول إلى قارسة البرودة ليلاً. في موسم الأمطار، كانت المياه تتسرب من بين الشقوق. كنا نضع أوعية في الزوايا لجمع المياه المتسربة بينما يحاول الأطفال النوم وسط المطر الغزير.

كانت الطوابير تُحدد أيامنا: طوابير الماء، والطعام، والأوراق، والمساعدة. كنت أستيقظ قبل الفجر، وأحمل عبوة بلاستيكية، وأنتظر تحت سماء باهتة. أصبحت حياتي تُقاس باللترات، لا بالدروس.

الصورة: english.news.cn

لم يكن أثقل عبء هو الفقر، بل العجز.

عندما كان أطفالي يمرضون بسبب المياه الملوثة، كنت أجلس بجانبهم ليلاً، يدي على جبينهم المحموم، أشعر بألم صامت لعجزي عن حمايتهم - من المرض، من الخوف، من هذه الحياة.

لم يكن لدي عمل. كل صباح، كنت أستيقظ فلا أجد طلاباً ينتظرون، ولا فصلاً دراسياً لأدخله. كان تسجيل أطفالي في المدارس صراعاً آخر: كانت الدروس تُدرّس باللغة الإنجليزية، والرسوم باهظة. رأيتهم يتوقون إلى مكتب وسبورة. لقد آلمني أنني، كمعلم، لم أستطع حتى أن أمنحهم ذلك.

تحولت الشهور إلى سنوات. كان عبق تراب الخرطوم بعد المطر، وهمهمة شوارعها، يتردد في أحلامي، ثم يتلاشى مع هبوب الريح التي تعبث بخيمة المنزل. تساءلت عن قراري بالرحيل، ثم ذكّرت نفسي بأن البقاء على قيد الحياة واجبي كأب. ومع ذلك، لم يخبُ حنيني إلى الوطن قط.

في عامنا الثالث في أوغندا، تغير شيء ما أخيرًا. أُعلن عن برنامج لتسجيل الراغبين في العودة. لم أتردد، خاصة بعد أن أعلنت القوات المسلحة السودانية في مايو 2025 أنها استعادت السيطرة الكاملة على الخرطوم. كان التسجيل والسفر مجانيين. ولأول مرة منذ سنوات، شعرت أن الأمل شيء ملموس.

في 20 فبراير من هذا العام، وصلت إلى بورتسودان. ما إن نزلت من الطائرة، حتى انحنيت، ولمست الأرض، وبكيت بصمت. لم أبكِ لأن كل شيء قد عاد إلى نصابه، بل لأن شيئًا ما قد بدأ من جديد.

ومن هناك، انطلقنا برًا إلى الخرطوم، رحلة استغرقت حوالي 16 ساعة. كانت طويلة ومرهقة، ومع ذلك لم أشعر بأي تعب. كان الطريق يقودني إلى بيتي. راقبتُ المناظر الطبيعية المارة كما يراقب طفلٌ العالم من نافذة الحافلة في أول يوم دراسي.

عندما دخلنا جبرة، خيّم الصمت على الشوارع. بيوتٌ كثيرةٌ خاوية، جدرانها مُشوّهةٌ بآثار الحرب. وصلتُ إلى بيتي، أو ما تبقى منه. كان الباب مُحطّمًا. الحديقةُ مُهملة. في الداخل، لم يبقَ شيء: الأثاث، الصور، دفاتري، حتى مصابيح الإضاءة. كل شيءٍ ضاع. وقفتُ في الغرفة الفارغة بينما كانت زوجتي تمسح دموعها، وأطفالي ينظرون حولهم في ذهول.

مع ذلك، حتى وسط هذا الخراب، شعرتُ أنني استعدتُ شيئًا غير مرئيّ - روحي.

خلف نافذةٍ مُحطّمة، كان كتابٌ مدرسيّ قديمٌ عالقًا في إطاره. نفضتُ عنه الغبار وأمسكتُ به بين يديّ. كان البيتُ مُجرّدًا من كلّ شيء، ومع ذلك ما زال ينبض بالحياة.

نعم، البيتُ خالٍ. نعم، الشارعُ هادئ. لكن هذه الأرض تعرف أسماءنا، وهذه الجدران، رغم تشقّقها، ما زالت تحتفظ بأصواتنا. إعادة البناء ستستغرق وقتًا. الطريقُ أمامي غامض. لكن بعد العودة، هنا يبدأ التعافي.

أحلم بعودة العائلات السودانية إلى ديارها، وبشوارع تعجّ من جديد بأصوات الباعة وضحكات الأطفال. أحلم بأن تنتهي هذه الحرب إلى الأبد.

أنا معلم فقد بيته، وعانى من المنفى، وعاد ليبدأ من الصفر، أو بالأحرى، ليبدأ من جديد. ربما لم يبقَ من بيتي سوى جدرانه، لكن إيماني بتعافي السودان باقٍ. يقف كلوحة بيضاء، ينتظر الدرس الأول لحياة جديدة.

معرض الصور