تم النشر بتاريخ: ٢٨ مارس ٢٠٢٦ 15:54:32
تم التحديث: ٢٨ مارس ٢٠٢٦ 16:00:22

السودان في قلب العاصفة الاقتصادية.. انكماش حاد ومستقبل غامض

<p>منتدى الإعلام السوداني</p>

منتدى الإعلام السوداني

الخرطوم، 28 مارس 2026 (الجريدة) ـ في مشهد يعكس عمق الأزمة الاقتصادية في السودان، تبدو المدن الرئيسية، وفي مقدمتها الخرطوم وقد فقدت جزءًا كبيرًا من حيويتها التجارية والإنتاجية، مع تراجع النشاط الاقتصادي وتزايد صعوبات المعيشة اليومية.

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، دخل الاقتصاد السوداني مرحلة حرجة تتسم بانكماش واسع وتراجع في أداء معظم القطاعات، في ظل تعقيدات المشهد وتداخل العوامل الداخلية والخارجية، وتوقف كامل لأكثر من 80% القطاع الصناعي والتحويلي، وتوقف المشاريع الزراعية ومؤسسات الدولة.. تطاول أمد الحرب يطرح عدداً من التساؤلات حول مستقبل اقتصاد السودان.. تُرى، هل ينجو السودان؟ وكيف تبدو سنوات البناء للمقبل من الأيام حال توقف الحرب؟

انكماش اقتصادي غير مسبوق
تُقدّر مؤسسات مالية وخبراء اقتصاديون أن الناتج المحلي الإجمالي للسودان انكمش بنسبة تتراوح بين 40% و50% خلال الفترة من 2023 إلى 2025، وهو تراجع يُصنّف الأكبر في القارة الإفريقية خلال العقود الأخيرة. ويشير الخبير الاقتصادي السوداني د. أحمد التجاني إلى أن “الاقتصاد السوداني انتقل من مرحلة الهشاشة إلى مرحلة الانكماش العميق، حيث فقدت الدولة جزءًا كبيرًا من قدرتها الإنتاجية في فترة زمنية قصيرة”.

تراجع حاد في القطاعات الإنتاجية
ويمضي التجاني بالقول إلى أن القطاع الصناعي تأثر بشكل ملحوظ، حيث تشير التقديرات إلى توقف أو تضرر ما بين 70% و80% من المنشآت الصناعية، نتيجة عوامل متعددة تشمل تعطل سلاسل الإمداد وصعوبات التشغيل. أما القطاع الزراعي، الذي يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد، فقد شهد انخفاضًا في الإنتاج يتراوح بين 30% و50%، وفق تقديرات خبراء زراعيين، بسبب نقص التمويل وارتفاع تكلفة المدخلات الزراعية إلى جانب التحديات اللوجستية. ويحذر خبراء من أن “استمرار هذه الاتجاهات قد يدفع السودان إلى زيادة الاعتماد على الواردات الغذائية، رغم امتلاكه موارد زراعية كبيرة”.

تحديات القطاع المصرفي
تفيد تقارير إلى أن الجنيه السوداني شهد تراجعًا حادًا، حيث فقد أكثر من 80% من قيمته خلال العامين الماضيين، بينما تجاوزت معدلات التضخم 300% في بعض الفترات، ما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع الأساسية، خاصة المواد الغذائية. ويؤكد الخبير المالي محمد الأمين أن “التضخم المرتفع وتراجع العملة أدّيا إلى تآكل الدخول، وتقلص الطبقة الوسطى بشكل ملحوظ، مع اتساع رقعة الفقر، حيث تعرض القطاع المصرفي لاضطرابات كبيرة، تمثلت في تراجع الخدمات المصرفية وتعطل التحويلات في بعض المناطق، ما دفع شريحة واسعة من المواطنين إلى الاعتماد على النقد المباشر. وتشير مصادر مصرفية إلى أن الاقتصاد يشهد توسعًا في التعاملات غير الرسمية، بما في ذلك السوق الموازية، نتيجة ضعف الثقة في النظام المالي.

تراجع التجارة الخارجية
شهدت صادرات السودان، خاصة الذهب والمنتجات الزراعية، انخفاضًا ملحوظًا بسبب تراجع الإنتاج والتحديات اللوجستية، في حين ارتفعت تكلفة الواردات نتيجة انخفاض قيمة العملة، ما زاد من صعوبة توفير السلع الأساسية. ويرى محللون أن هذا الخلل في الميزان التجاري يزيد من الضغوط على الاقتصاد الكلي ويحدّ من فرص الاستقرار.

كما تشير تقديرات اقتصادية حديثة إلى اتساع عجز الميزان التجاري خلال العامين الماضيين، نتيجة الفجوة المتزايدة بين الصادرات والواردات، حيث تراجعت عائدات الصادرات غير النفطية بشكل ملحوظ، بينما ارتفعت فاتورة الاستيراد بنسبة كبيرة بسبب الاعتماد المتزايد على الخارج لتأمين السلع الأساسية، مثل القمح والوقود والدواء. ويؤكد خبراء أن هذا الوضع يضغط على احتياطيات النقد الأجنبي ويزيد من تقلبات سعر الصرف، ما ينعكس مباشرة على استقرار الأسواق المحلية، ويحدّ من قدرة الحكومة على تنفيذ سياسات اقتصادية فعالة في ظل محدودية الموارد.

خسائر كبيرة في البنية التحتية
تشير تقديرات أولية إلى أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية بما في ذلك الطرق، الكهرباء، المياه، الجسور والمطارات والتي تتراوح بين 50 و100 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم التحدي الذي سيواجه جهود إعادة الإعمار مستقبلًا.

سوق العمل وهجرة الكفاءات
أدت الظروف الاقتصادية إلى فقدان عدد كبير من الوظائف، مع تقديرات تشير إلى أن معدلات البطالة قد تتجاوز 60%. كما شهدت البلاد موجة هجرة للكفاءات، ما قد يؤثر على قدرة الاقتصاد على التعافي في المدى المتوسط. ويحذر الخبير في شؤون العمل عبد الرحمن يوسف من أن “هجرة العقول تمثل خسارة مزدوجة، لأنها تقلل من الإنتاجية الحالية وتضعف فرص إعادة البناء لاحقًا”.

تراجع الاستثمار الأجنبي
شهد السودان تراجعًا ملحوظًا في تدفقات الاستثمار الأجنبي خلال الفترة الأخيرة بسبب الحرب، الخبير الاقتصادي د. محمد عثمان يمضي قائلاً: أقدمت العديد من الشركات الإقليمية والدولية على تعليق أو سحب استثماراتها، إلى جانب تجميد مشاريع استراتيجية في قطاعات حيوية مثل الطاقة والزراعة والبنية التحتية، وذلك بسبب حالة عدم اليقين المرتبطة بالأوضاع الأمنية والاقتصادية. وهذا الانسحاب لا يقتصر تأثيره على فقدان التمويل فحسب، بل يمتد ليشمل نقل التكنولوجيا وتوفير فرص العمل، ما يزيد من تعقيد جهود التعافي الاقتصادي، ويضع السودان أمام تحدي استعادة ثقة المستثمرين عبر تحسين بيئة الأعمال وتعزيز الاستقرار المؤسسي في المرحلة المقبلة. باختصار يمكن القول: إن الاقتصاد السوداني يعيش حالة انكماش قاسية جداً، الملايين الآن توقفت مشاريع دخلهم ومصادر رزقهم واعتمدوا بشكل كبير جدا على التحويلات المالية القادمة من الخارج، والكارثة الأكبر شُح العُملة ومعظم الأسواق الآن تعتمد على تطبيق التحويلات المالية في مداولات الشراء والبيع.

نحو مرحلة التعافي
يرى خبراء أن الاقتصاد السوداني يمر بمرحلة انكماش حاد وتفكك مؤسسي، لكنه لا يزال يمتلك مقومات تعافٍ مهمة، خاصة في مجالات الزراعة والموارد الطبيعية. ويؤكد خبراء أن “إعادة الإعمار ستتطلب استقرارًا سياسيًا وإصلاحات اقتصادية عميقة، إضافة إلى دعم إقليمي ودولي منسق”.

في ظل هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة، حيث لا تقتصر التحديات على وقف التدهور، بل تمتد إلى إعادة بناء اقتصاد قادر على الاستدامة. وبينما تظل المؤشرات الحالية مقلقة، فإن الفرص لا تزال قائمة إذا ما توفرت بيئة مواتية للإصلاح والاستثمار.

  • ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء فيه هذه المادة من إعداد جريدة (الجريدة) لتعكس الأوضاع الاقتصادية العامة التي يعيشها السودان في ظل الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع. تتناول المادة مؤشرات انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 40% و50%، فضلا عن تأثر القطاع الصناعي بشكل ملحوظ، حيث تشير التقديرات، طبقا للمادة، إلى توقف أو تضرر ما بين 70% و80% من المنشآت الصناعية. تتناول المادة أيضا تراجع صرف الجنيه السوداني تراجعا حادا، حيث فقد أكثر من 80% من قيمته خلال العامين الماضيين، بينما تجاوزت معدلات التضخم 300%.
    في السياق نفسه، تنبه المادة إلى اتساع عجز الميزان التجاري خلال العامين الماضيين، نتيجة الفجوة المتزايدة بين الصادرات والواردات، حيث تراجعت عائدات الصادرات غير النفطية بشكل ملحوظ، فضلا عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية بما في ذلك الطرق، الكهرباء، المياه، الجسور والمطارات والتي تتراوح بين 50 و100 مليار دولار.

معرض الصور