تم التحديث: ١٥ مارس ٢٠٢٦ 19:41:55

ثقوب في ``حوار شنقر`` الأخير
حامد بخيت الشريف
فتح الحوار الأخير، الذي نشرته منصة "جيسكا بالعربي"، مؤخرا، وأجراه الصحفي مصعب محمد علي مع الروائي عثمان شنقر، فجوة واسعة في جدار النقد الأدبي السوداني المعاصر، لأنه يعكس بكل وضوح المأزق المنهجي الذي يخلط بين الذوق الشخصي والمعايير النقدية الصارمة. فالاتهام المركزي الذي ساقه شنقر لجيل كامل من الروائيين المعاصرين بالافتقار إلى مشروع فكري وجمالي، يضعنا أمام إشكالية تعريف المشروع في الأدب، حيث صرح شنقر قائلا: "أغلب الروائيين الذين برزوا في العقود الثلاثة الأخيرة ليس لديهم مشاريع كتابية تستند على مشروع فكري ـ جمالي". ومن الواضح أن شنقر يجهل أن المشروع ليس كيانا نظريا ثابتا، وهذا الجهل حجب عنه حقيقة أن المنجز الروائي الحديث، عالميا ومحليا، يتشكل مشروعه من خلال تراكم المتن وانحيازاته الجمالية المضمرة.
ولعل من افدح الثقوب في هذا الحوار الذي صادف انتشارا واسعا في بعض المواقع الرقمية ووسائل التواصل، ركون شنقر إلى النقد الانطباعي تحت مسمى الحاسة التذوقية، إذ يقول صراحة: "المسألة ليست في كونها حكما ظالما أو مجحفا، وإنما هو حكم نقدي تذوقي خاص... لدي حاسة تذوقي النقدية الخاصة". ببساطة فان إقرار شنقر بأن أحكامه نابعة من تذوق خاص، فإنه يعفي نفسه منهجيا من تقديم الدليل البنيوي أو السيميائي على ضعف تلك النصوص. ففكرة الذاتية النقدية هنا تفتح الباب أمام شرعنة الأحكام المطلقة، مثل وصف تجارب روائية ضخمة بانها عبارة عن جزر معزولة، حيث يرى أن أعمال هؤلاء الروائيين: "تبدو مثل الجزر المعزولة التي لا يربطها رابط، ولا تمشي بينها مراكب المعرفة والجمال والفكر". وذلك دون الالتفات إلى او ربما دون ان يكون على معرفة بفكرة وحدة العالم الروائي التي تشكل خيطا معرفيا يربط بين النصوص، فكتّاب مثل أمير تاج السر أو منصور الصويم، الذين تمثّلهما في حواره، لا يمكن وصف أعمالهما بانها جزر معزولة، لأن وحدة عالمهما الروائي، ببساطة، تظهر بوضوح عند فحص الثيمات المتكررة وتقنيات السرد المتطورة في نصوصهم، ما يشير لمتانة مشروعهما الروائي والجمالي في عموم قراءة متنهما الجمالي.
وفيما يخص العوامل الخارج ـ نصية، يرى شنقر أن النجومية الحالية صُنت بعيدا عن جودة الكتابة، مؤكدا أن "الأسماء التي حازت انتشارا واسعا، استفادت من عوامل خارج العمل الأدبي نفسه، مثل شبكات العلاقات الثقافية، وحضور وسائل التواصل الاجتماعي، والجوائز الأدبية والترجمات". بل ذهب إلى أبعد من ذلك بوصفه لهذه العوامل بأنها "روافع هشة مثل الترجمة والجوائز الأدبية"، وهو قول حق أريد به باطل؛ فالترجمة والجوائز في السياق العالمي غالبا ما تكون أثرا للقيمة الفنية وليست صانعة لها. وبالمثل، فإن ربط تجربة عبد العزيز بركة ساكن بمواقفه السياسية أو انحيازاته لمشاريع فكرية وسياسية معينة، يحاكم الكاتب كمواطن بدلا من أن يحاكمه كفنان، وهذا النوع من النقد في ظني يسقط في فخ (الأدبوية) الضيقة التي تفصل النص عن سياقه الوجودي والسياسي.
أما ما يتعلق بوصم شنقر للكاتب السوداني بما سماه ظاهرة (الاغتراب)، فقد عبر عنها بقوله "بين الكاتب السوداني والواقع الاجتماعي ـ السياسي، ثمة غيمة اغتراب سوداء، تحجب بصره عن رؤية الحراك الموار الذي يدور حوله". وهنا يظهر تناقضا منهجيا واضحا في خطاب شنقر؛ حيث إنه يطالب الأدب بالالتصاق بالواقع وتناول الحروب المحلية من ناحية، ومن الناحية الأخرى، يحاكم النصوص التي تناولت قضايا المسكوت عنه مثل (الرق والجنس) بأنها وسيلة لتحقيق (الشعبية)، كما فعل في نقده لبركة ساكن حين قال: "كان اقترابه من «منطقة» السياسة بغرض توظيفها في أدبه ليحقق «الشعبية» التي كان يصبو إليها". هنا يضع شنقر الكاتب في مأزق: فإذا كتب عن الحرب اتهمه بالتبسيط الاستهلاكي، وإذا نأى بنفسه عن قضاياها ومسبباتها اتهمه بالاغتراب، غير أن الحقيقة المنهجية الغائبة عن شنقر هي أن المسافة الجمالية التي يتخذها المبدع من الواقع هي في أصل العملية الإبداعية، وليست دليلا على أن الكاتب "مشغول بتقليد نماذج كتابية مجلوبة من البلدان الأخرى" كما يدعي.

