تم التحديث: ٤ مارس ٢٠٢٦ 20:04:28
رعاية الأطفال شديدي المرض في مخيم طويلة -2-
متابعات ـ مواطنون
المصدر: Médecins Sans Frontières أستراليا
تتواصل تأملات الدكتورة جوزفين غودير في هذا المقال الثاني بعد عودتها من طويلة في شمال دارفور، السودان، في سبتمبر/أيلول 2025. وتستعرض ما حملته معها من خبرة طبية قيّمة من مهمتها الأولى مع أطباء بلا حدود كطبيبة أطفال في ليبيريا، وكيف يجب أخذ ظروف الأسرة في الاعتبار عند رعاية الأطفال، وأهمية الحديث عن السودان بعد عودتها إلى أستراليا.
لقد عملتِ سابقاً مع أطباء بلا حدود في سياق انتشار الملاريا في ليبيريا. هل ساعدك ذلك؟
لن أنسى أبداً ما تعلمته في ليبيريا.
تلقيت تسليماً سريرياً رائعاً على رأس السرير من طبيبة الأطفال التي سبقتني، إذ كنا قد عملنا معاً في سيدني. اصطحبتني لرؤية الأطفال الأشد مرضاً في وحدة العناية المركزة بمستشفانا في مونروفيا. وأثناء تسليم إحدى الحالات قالت: “انظري، هذا ما أقصده. الأطفال يبدون في الفحص كما لو أنهم يعانون من اضطراب عصبي في السياق الأسترالي، لأن أجسادهم رخوة جداً.”
كان الطفل يعاني من سوء تغذية حاد وخيم مصحوب بملاريا شديدة، وأضافت: “ليس لديهم مشكلة عصبية. إنهم فقط يعانون من نقص شديد في البوتاسيوم، وغالباً لا يمكن حتى قياس مستواه عندما يكونون بهذه الدرجة من الرخاوة.”
بقي هذا الدرس معي في كل السياقات، حتى في أستراليا عندما أرى أطفالاً يعانون من الإسهال ويبدون بحالة رخاوة شديدة.
في طويلة، عندما كان المرضى يعانون من رخاوة مع فقدان سوائل مستمر، خاصة أولئك الذين اشتبهنا بإصابتهم بالكوليرا (رغم إدارتهم في مركز علاج الكوليرا للحد من انتشار التفشي)، ساعدني ذلك كثيراً في ظل غياب الفحوصات التشخيصية المتقدمة.
كنت قد شهدت من قبل هذا المستوى من شدة المرض، واختبرت موسم ذروة الملاريا وموسم الأمطار، لكنني لم أعمل في سياق يقتصر على فحوصات نقطة الرعاية فقط، من دون إمكانية قياس البوتاسيوم مخبرياً.
كان علينا موازنة المخاطر والفوائد عند إعطاء تعويضات الشوارد التي قد تكون خطرة نسبياً، من دون معرفة الأرقام الدقيقة.
هل كانت هناك تحديات أخرى في العمل، لكِ أو للفريق؟
الظروف دائماً صعبة. حتى بالنسبة لفريق أطباء بلا حدود، الجو حار والمكان ضيق. قبل إنشاء وحدة عناية مركزة خاصة بالأطفال، كانت العناية المركزة مشتركة مع البالغين، في مساحة مكتظة وشديدة الحرارة، لدرجة يصعب معها التفكير بوضوح.
كنت أضطر أحياناً إلى الخروج من الغرفة لإجراء نقاش مع الطاقم، رغم وجود مراوح واقفة. كما أن المساحة بين الأسرّة كانت ضيقة جداً، بالكاد تسمح بالمرور الجانبي، وهو أمر بالغ الصعوبة في بيئة عناية مركزة، خاصة مع وجود مرضى يعانون من أعراض معدية، فضلاً عن كونه خطراً مهنياً على الطاقم. وكان انتقال القسم إلى إحدى الخيام تحسناً ملحوظاً.
ومن التحديات الكبرى أيضاً رعاية الأطفال المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية والسل في غياب برنامج وطني منتظم. كيف يمكن إدارة ذلك في سياق يواصل فيه الناس الفرار والنزوح؟ ماذا نعطيهم؟
كان عدد كبير من المرضى ينقطع عن المتابعة. وكيف يمكن إجراء تتبع للمخالطين في سياق ثقافي معقد، حيث يحتاج المرضى أو ذووهم لتناول أدوية يومية، بينما يعيشون في ظروف مكتظة للغاية من دون أي خصوصية؟
كان علينا التفكير في كل ذلك في ظل غياب هياكل دعم إضافية، ومع وجود مجتمع شديد الحركة والتنقل.
كطبيبة أطفال، عندما تفكرين في الأسرة، ماذا تقصدين؟ وما الذي تحاولين معالجته؟
بالتأكيد، الأمر لا يتعلق بالطفل وحده، بل بالعائلة بأكملها. أتعلم الكثير من المجتمعات التي أعمل معها، وغالباً ما يوضحون لي الطريق إلى الأمام، رغم هشاشتهم الشديدة عند مشاركتهم احتياجاتهم وما يتطلبه بقاء أسرهم.
ربما أفضل طريقة لشرح ذلك هي قصة أم ورضيعها أُدخِل بسبب سوء تغذية حاد وخيم.
كان ذلك الإدخال الثاني أو الثالث لهذا الرضيع، الذي يبلغ نحو أربعة أشهر. كانت الأم قلقة لأنها لا تملك حليباً كافياً للرضاعة. لم يكن هذا طفلها الأول، ولا أول طفل تعاني معه من نقص الحليب. وعند فحصها وجدنا أنها تعاني من سوء تغذية أيضاً، فقدمنا لها ولطفلها دعماً غذائياً.
وبينما كان الطفل لا يزال في المرحلة الحادة من العلاج، قالت فجأة إنها تحتاج للعودة إلى المنزل لرعاية أطفالها الآخرين.
كان قلقي أن هذا الطفل لا يمكنه تناول الطعام الصلب بعد، ولا توجد في دارفور حليب صناعي متاح بأسعار معقولة أو آمن، كما لا يُصرف عند الخروج من مستشفى طويلة. حاولت فهم ظروفها وما الذي سيوفر التغذية لطفلها، فقالت: “لا يا دكتورة، طفلي سيشرب حليب الماعز.”
كانت تلك أول مرة أواجه فيها هذا الحل. طرحت أسئلة إضافية، وراودتني مخاوف سريرية مثل داء البروسيلات الناتج عن الحليب غير المبستر. لكن هذا كان الخيار المتاح للأسرة من أجل البقاء.
اطلعت على المحتوى الغذائي لحليب الماعز، وقررت أن نزود الطفل بمكملات الحديد وفيتامين (د) في ظل اعتماده على حليب الماعز.
عاد الطفل للمتابعة لاحقاً – فالباب دائماً مفتوح – وكانت الأم قلقة لأن الماعز نفقت، وأصبحت تواجه صعوبة مجدداً في إطعام طفلها. أعدنا إدخاله إلى مركز التغذية العلاجية، وتلقى حليباً علاجياً، ثم عاد مجدداً إلى المنزل لفترة مع أسرته لتتمكن الأم من تلبية احتياجات أطفالها الآخرين.
الآن بعد عودتكِ إلى أستراليا، كيف كان شعوركِ وأنتِ تتابعين التطورات في دارفور، بما في ذلك عمليات القتل الجماعي في الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول؟
كنت مقتنعة آنذاك، وأزداد اقتناعاً الآن، بأن السودان يمثل أكبر أزمة إنسانية في العالم حالياً. وُصف أحياناً بأنه “الحرب المنسية”، وهو وصف يلامسني كثيراً.
في طويلة، مررتُ ذات يوم بلحظة شعرت فيها وكأنني خارج جسدي، عندما خرجت من مجمع المستشفى متجهة إلى خيام الأطفال، فوجدت حماراً يعترض طريقي. كان وجود الحمير أمراً معتاداً، لكن هذا الحمار لم يكن يجر عربة. تساءلت: لماذا يوجد حمار في مكان عملي؟ ولم أعرف هل أمرّ من أمامه أم خلفه، وهل يركل مثل الخيول إذا مررت من الخلف؟
عند عودتي إلى أستراليا، وبينما كنت أعبر الطريق إلى عملي في الضواحي الشرقية لسيدني، كنت قد اعتدت مجدداً على عبور الشارع وسط السيارات. لكن في ذلك الصباح كانت هناك ترام متوقفة، ووجدت نفسي في تجربة موازية تقريباً: أقف وأتساءل هل أعبر من أمام الترام أم خلفها؟ وفكرت: “يا لغرابة الأمر. قبل أقل من شهر كنت أقرر هل أعبر أمام الحمار أم خلفه، والآن أقف على طريق معبّد بعد أن اشتريت قهوتي، وأقرر هل أعبر أمام الترام أم خلفها.”
إنه لأمر غريب كيف تقفز هذه الصور إلى الذهن، فتثير شعوراً بالتشابه رغم التباين الشاسع.
ما ساعدني قليلاً – وإن كان بطعم مرّ – أن السودان بدأ يحظى ببعض التغطية الإعلامية.
قدمتُ عروضاً لزملائي، وكان من المفيد تسليط الضوء على حجم الحاجة في السودان، وعلى العمل الاستثنائي الذي يواصل فريق أطباء بلا حدود القيام به رغم الاحتياجات الطاغية.
من المهم الحديث عن ذلك، لأن الإنسانية مشتركة، والناس مهتمون وداعمون من بعيد، لكنهم غالباً لا يعرفون من أين يبدأون، لأن ما يحدث لم يكن مرئياً بما يكفي.
ربما هذا ما يجعل عودتي ذات قيمة، رغم تصاعد الأزمات في السودان: محاولة بناء هذا الجسر مع أناس يهتمون فعلاً.
