تم النشر بتاريخ: ٤ مارس ٢٠٢٦ 19:53:46
تم التحديث: ٤ مارس ٢٠٢٦ 19:56:32

تأثيرات حرب إيران والتنافس الإقليمي على حرب السودان

أمير بابكر عبد الله
أصبح الصراع الدائر في السودان جزءاً من منظومة توازنات إقليمية معقدة تتداخل فيها حسابات القوى الكبرى مع صراعات النفوذ في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي. وفي ظل احتمالات استمرار المواجهة بين إيران وخصومها، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وإسرائيل، يبرز سؤال جوهري، إلى أي مدى يمكن أن يغير هذا الصراع موازين الحرب داخل السودان؟

إيران تحالف قديم وقناني جديدة
العلاقات بين الخرطوم وطهران ليست وليدة الحرب الحالية، بل تعود جذورها إلى تسعينيات القرن الماضي عندما نشأ تحالف استراتيجي شمل تعاوناً عسكرياً وتقنياً واسعاً، خاصة بعد فرض العقوبات الأمريكية على السودان ووضعه في قائمة الدول الداعمة للإرهاب. آنذاك، استفاد السودان من الخبرات والتقنيات الإيرانية في مجالات التصنيع العسكري والصيانة، بينما وجدت إيران في السودان بوابة نفوذ نحو أفريقيا.

انقطعت هذه العلاقات في 2016 بعد اصطفاف الخرطوم مع المعسكر الخليجي، لكنها عادت تدريجياً بعد اندلاع الحرب السودانية في 2023. غير أن طبيعة العلاقة تغيّرت؛ فبدلاً من التحالف الأيديولوجي السابق، باتت قائمة على المصالح المتبادلة، فالسودان يبحث عن دعم عسكري نوعي، وإيران تسعى لتوسيع نفوذها الجيوسياسي.

حرب الطائرات المسيّرة
تشير تقديرات وتقارير إلى أن الطائرات المسيّرة لعبت دوراً محورياً في تغيير بعض موازين القوى الميدانية خلال الحرب السودانية، خصوصاً في بيئة القتال وسط المدن حيث تقل فاعلية الطيران الحربي التقليدي.

توفر هذه الطائرات مزايا أساسية تشمل مراقبة دقيقة لتحركات القوات المستهدفة وتتميز يقدراتها على تنفيذ ضربات عالية الدقة بتكلفة منخفضة، وفي ذات الوقت تقليل من الخسائر وسط القوات البرية.

ارتباط هذه الميزات باستمرار الدعم التقني واللوجستي، يخرجها من دائرة الفعالية إذا ما دخلت إيران حرباً مباشرة واسعة، فمن المرجح أن تعيد توجيه مواردها العسكرية إلى جبهاتها الأساسية، ما قد يؤدي إلى تراجع الدعم الخارجي للجيش السوداني وفقدانه إحدى أهم أدوات التفوق التكتيكي.

تقاطعات الاقتصاد والأمن
يمتلك السودان موقعاً جيوسياسياً يجعله محل اهتمام القوى الدولية؛ فهو يطل على البحر الأحمر الذي يعتبر واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، ويقع بين شمال أفريقيا والشرق الأوسط. هذا الموقع يمنحه قيمة استراتيجية في بعدها الاقتصادي تسمح بمراقبة وتأثير في حركة التجارة العالمية، أما في بعدها الأمني فيمثل نقطة ارتكاز محتملة للقوى الساعية لتوسيع نفوذها البحري.

لذلك فإن أي تصعيد عسكري ضد إيران سيجعل السواحل السودانية تحت مجهر المراقبة الدولية، وقد تتحول إلى ساحة تنافس نفوذ بين قوى متعددة تسعى لضمان عدم تحولها إلى نقطة ارتكاز استراتيجية لطهران.

أما داخلياً وبحسب تقارير متعددة، فإن التأثير الاقتصادي لأي مواجهة إقليمية سيكون سريعاً على السودان. الذي يعتمد اقتصاده بدرجة كبيرة على الواردات لتأمين احتياجاته الأساسية، خاصة الوقود والقمح والمدخلات الزراعية. لذلك فإن أي اضطراب في طرق التجارة أو ارتفاع في أسعار النفط بسبب الحرب سيؤدي مباشرة إلى تضخم حاد ونقص السلع وتراجع القدرة الشرائية وبالتالي اتساع الأزمة الإنسانية. وبما أن الاقتصاد السوداني هش أصلاً بفعل الحرب، فإن أي صدمة خارجية بحجم الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل قد تضاعف آثار الأزمة الحالية.

التنافس الخليجي وانعكاساته
تشير تقارير إعلامية، من بينها ما نشرته نيويورك تايمز، إلى وجود تباين في مواقف السعودية والإمارات تجاه الحرب السودانية. ورغم عدم وجود تأكيد رسمي لخلافات عميقة، فإن مجرد وجود اختلاف في الرؤى يعكس حقيقة أن السودان أصبح ساحة توازنات إقليمية.

هذا التباين قد يقود إلى إضعاف المبادرات المطروحة لوقف الحرب وإحلال السلام، وزيادة اعتماد الأطراف السودانية على داعمين خارجيين. وفي نفس الوقت سيتحول السودان بالفعل إلى ساحة حرب بالوكالة، فتدعم أطراف خارجية أطراف الصراع لتحقيق مصالحها الاستراتيجية سيعقد من مسارات التسوية السياسية. كما أن استمرار الحرب دون تسوية سيحوّل السودان تدريجياً إلى ساحة صراع غير مباشر بين القوى الإقليمية.

فالدعم العسكري الخارجي يمثل سلاحاً ذا حدين لأطراف الحرب في السودان. فبينما يمنحها قدرات إضافية، فإنه يربط مصيرها بحسابات الدول الداعمة. وفي حال توقف الإمدادات فجأة، قد يتحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة تعتمد على الموارد المحلية والمخزونات المتوفرة.

وغالباً ما يؤدي نقص الإمدادات الرسمية إلى ازدهار شبكات التهريب والسوق السوداء عبر الحدود المفتوحة، ما يجعل النزاع أكثر فوضوية وأقل قابلية للسيطرة.

سيناريوهات محتملة
سيناريو الحرب الإقليمية الشاملة واندلاع مواجهة واسهة ضد إيران، خاصة بعد إعلان قادة فرنسا وألمانيا وبريطانيا استعدادهم للانخراط مع الولايات المتحدة والحلفاء الإقليميين للدفاع عن مصالحهم ضد إيران. هذا بالضرورة سيقود إلى إلى تراجع الدعم الإيراني لحلفائها، مما سيفقد الجيش السوداني مصادر تسليح مهمة ويقود إلى تزايد الضغط الدولي على الخرطوم.

أما إذا بقيت المواجهة في إطار ضربات متبادلة محدودة فإن التأثير على السودان سيكون اقتصادياً بينما سيبقى الوضع العسكري داخل السودان شبه ثابت.

وفي حال توصلت الدول الإقليمية والولايات المتحدة إلى تفاهمات تؤدي إلى التهدئة فإن ذلك قد يضع السودان ضمن صفقة تسوية أوسع، يزيد من فرص الحل السياسي للحرب وبالتالي تراجع الدعم الخارجي للاطراف المتحاربة.

يمكن تلخيص المشهد في معادلة واحدة وهي مستقبل الحرب في السودان لم يعد يتحدد داخل حدوده فقط، بل أصبح مرتبطاً بتفاعلات ثلاث دوائر ضغط متداخلة بين الصراع الداخلي العسكري والتنافس الإقليمي على النفوذ والتوتر الدولي بين القوى الكبرى.

كلما تصاعدت إحدى هذه الدوائر، ازداد تعقيد الحل. لذلك يرى محللون أن إنهاء الحرب السودانية لن يكون ممكناً دون تفاهمات إقليمية أوسع تضع استقرار السودان ضمن أولويات الأمن الجماعي للمنطقة.

لذلك يمكن القون إن أي حرب بين إيران وخصومها لن تبقى بعيدة عن السودان؛ حتى لو لم تُطلق فيها رصاصة واحدة داخل أراضيه، فإن ارتداداتها العسكرية والاقتصادية والسياسية ستصل إليه سريعاً. كما أن أي تنافس إقليمي يدعم أطراف الحرب سيزيد من تعقيد المشهد الداخلي عملياتياً وإنسانياً. وقد يعيد هذان العاملان رسم خريطة الصراع داخله بالكامل.

معرض الصور