تم النشر بتاريخ: ٢ مارس ٢٠٢٦ 20:25:04
تم التحديث: ٢ مارس ٢٠٢٦ 20:29:32

وثيقة ملكية نادرة تكشف ملامح الحكم في دنقلا القديمة

مواطنون
كشفت دراسة حديثة نشرتها مجلة (Azania: Archaeological Research in Africa) المتخصصة في علم الآثار الإفريقية، عن وثيقة تُعد أول دليل مادي على وجود الملك قشقش، المرتبط بمرحلة متأخرة من العصور الوسطى شمال السودان، مسلطة الضوء على طبيعة الحكم، والتحولات الاجتماعية، والثقافية في تلك الحقبة.

الوثيقة، وهي أمر ملكي مكتوب على ورق، توثّق عملية تبادل سلع تشمل منسوجات وماشية، وتُظهر أن الحاكم لم يكن مجرد قائد حروب كما صُوِّر في بعض الروايات القديمة، بل كان يدير شؤون الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية بدقة.

وأوضحت الدراسة أن فريقاً من جامعة وارسو بقيادة توماش بارانسكي أجرى أعمال تنقيب في مدينة دنقلا القديمة عام 2018، حيث كُشف عن المرسوم ضمن طبقة من الأنقاض، إلى جانب 22 نصاً عربياً تشير إلى استخدام اللغة العربية في البلاط الملكي، رغم أنها لم تكن اللغة الأم للسكان آنذاك.

وتضمنت المكتشفات مجموعة من القطع الفاخرة، بينها منسوجات من القطن والحرير، وأحذية جلدية، وخنجر مصنوع من العاج، وخاتم ذهبي، فضلاً عن نصوص توثق تبادل السلع والهدايا بين أفراد النخبة الحاكمة، بما في ذلك أغطية رأس مخصصة للنبلاء.

ويشير التحليل الأولي إلى وجود شبكة تواصل منظمة بين البلاط الملكي وقادة الجماعات البدوية المحيطة، ما يعكس مستوى متقدماً من التنظيم الإداري والعلاقات السياسية في تلك المرحلة.

يرى الباحثون أن هذه الوثيقة تمثل دليلاً مادياً نادراً على طبيعة السلطة السياسية في النوبة خلال فترة انتقالية غامضة تاريخياً بين نهاية الممالك المسيحية وبداية الحكم التركي-المصري في القرن التاسع عشر.

مرحلة التحولات الكبرى
تعود الوثيقة إلى الأرجح إلى أواخر القرن السادس عشر أو أوائل السابع عشر، وهي فترة شهدت تحولات دينية وثقافية متسارعة مع انتشار الإسلام والعربية في المنطقة.

خلال تلك المرحلة، كانت دنقلا خاضعة اسمياً لنفوذ سلطنة الفونج التي حكمت أجزاء واسعة من وادي النيل لقرون، لكنها تركت للحكام المحليين إدارة مناطقهم مقابل الولاء والجزية.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن المدينة بقيت محطة تجارية رئيسية على الطريق بين القاهرة وسنار ودارفور، ما يفسر أهمية الدور الاقتصادي للحاكم المحلي.

ماذا تقول الوثيقة؟
الوثيقة عبارة عن أمر موجَّه من الملك قشقش إلى رجل يُدعى خضر، يأمره فيه بتنفيذ صفقة تبادل مع شخص آخر اسمه محمد العرب. وتتضمن التعليمات:
تسليم ثلاث وحدات من منسوجات تُسمى “أردويات”.
استلام نعجة وولدها من شخص ثالث يُدعى عبد الجابر.
تنفيذ تبادل إضافي قد يشمل قماشاً قطنياً أو غطاء رأس فاخر.

هذه التفاصيل الصغيرة تكشف شبكة علاقات اقتصادية معقدة يشرف عليها الملك شخصياً، وتشير إلى أن التبادل لم يكن تجارياً فقط، بل جزءاً من نظام الهدايا السياسية وبناء الولاءات.

عُثر على الوثيقة داخل مبنى أثري كبير يُعرف محلياً باسم “منزل المك”، وهو أكبر منازل القلعة في الموقع. اللقى الأثرية داخله، مثل الحرير المستورد والأحذية الجلدية والخواتم الذهبية ومقابض الخناجر العاجية، تدل على أنه كان مسكناً للنخبة الحاكمة. كما عُثر على عملات فضية تعود إلى عهد السلطان العثماني مراد الرابع وخلفه إبراهيم، ما ساعد على تأريخ الطبقة الأثرية إلى القرن السابع عشر.

تصحيح صورة “ملك النوبة”
الرحالة والمؤرخ ليون الإفريقي وصف قديماً “ملك النوبة” بأنه دائم الحرب، لكن الوثيقة الجديدة تقدم صورة مختلفة: حاكم يدير التبادلات التجارية ويرعى العلاقات الاجتماعية.

وتدعم روايات الرحالة العثماني أوليا جلبي هذا التصور، إذ تحدث عن وجود شبكة من العلماء والأعيان حول دنقلا، ما يدل على مجتمع منظم لا مجرد ساحة صراع.

اللغة والهوية الثقافية
لغة الوثيقة عربية لكنها تحتوي أخطاء نحوية وتأثيرات عامية، ما يشير إلى أن العربية كانت لغة كتابة رسمية لكنها ليست اللغة الأم لجميع السكان. كما تظهر المصطلحات مزيجاً من العربية والنوبية والعثمانية، في دليل على التفاعل الثقافي الواسع في السودان النيلي آنذاك.

تكشف الوثيقة عن ثلاث حقائق مهمة:
تاريخية الملك قشقش: لم يعد شخصية أسطورية بل حاكم حقيقي موثق أثرياً.
طبيعة الحكم المحلي: السلطة كانت تعتمد على شبكة تبادل ومصالح لا على القوة العسكرية وحدها.
أهمية الوثائق الورقية: رغم ندرتها في أفريقيا قبل الاستعمار، فإنها قادرة على إعادة بناء التاريخ الاجتماعي بدقة.

يمثل اكتشاف الأمر الملكي في دنقلا العجوز مثالاً بارزاً على كيف يمكن لوثيقة صغيرة مهملة في طبقة نفايات أثرية أن تغيّر فهمنا لمرحلة كاملة من التاريخ.

فبدلاً من صورة الملوك المحاربين فقط، تظهر لنا هذه الورقة ملكاً منشغلاً بإدارة الاقتصاد والعلاقات، ما يفتح نافذة جديدة على الحياة السياسية والاجتماعية في السودان قبل الاستعمار.

معرض الصور