تم النشر بتاريخ: ٢٠ فبراير ٢٠٢٦ 09:52:52
تم التحديث: ٢٠ فبراير ٢٠٢٦ 10:04:22

الصورة: جائزة الطيب صالح.. غياب بسبب الحرب

للعام الثالث.. دخان الحرب يحجب ظهور الطيب صالح في سماء الخرطوم

مواطنون
للعام الثالث على التوالي تمرّ ذكرى رحيل الأديب السوداني العالمي الطيب صالح في ظل صمت ثقافي داخلي ثقيل، بعدما أوقفت الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 واحدة من أهم الفعاليات الأدبية في البلاد "جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي"، التي كانت تمثل موسماً ثقافياً سنوياً تحتفي به الأوساط الفكرية داخل الخرطوم وخارجها.

ومرة أخرى، وفي ذكرى رحيل الطيب صالح الذي يصادف تأسيس الجائزة، يعلن مجلس أمناء الجائزة، برئاسة علي محمد شمو، أن الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان بسبب الحرب أدت إلى توقف تنظيم الفعاليات منذ 15 أبريل 2023، مشيراً إلى أن حجم الدمار الذي طال المؤسسات الثقافية، من متاحف ومكتبات ومسارح ودور وثائق، جعل إقامة الأنشطة أمراً بالغ الصعوبة.

وكانت الجائزة، التي تأسست عام 2010 بمبادرة من شركة زين، قد تحولت خلال سنوات قليلة إلى منصة عالمية تجمع كتّاباً ونقاداً من أفريقيا والعالم العربي، وأسهمت في نشر نحو مئة كتاب من أعمال الفائزين، ما عزز حضور السودان الأدبي إقليمياً ودولياً.

سؤال الحياة والبقاء
الأمين العام للجائزة مجذوب عيدروس أوضح في إفادته لـ "مواطنون" أن تنظيم احتفالية ثقافية في ظل مشاهد القتل والدمار والنزوح الجماعي يطرح تساؤلاً أخلاقياً قبل أن يكون تنظيمياً، متسائلا عن جدوى الاحتفال بينما الملايين يعانون النزوح والتشريد وتدمير المؤسسات؟

تصريحه يعكس معضلة ثقافية عميقة، هل يمكن للثقافة أن تستمر بوصفها فعل حياة في زمن يغلب عليه سؤال البقاء؟

الروائي والشاعر، بشرى الفاضل، وصف توقف الجائزة بأنه نتيجة طبيعية لهيمنة صوت السلاح على صوت الكلمة، مؤكداً أن الحرب بطبيعتها عدو للثقافة، وأن ازدهار الإبداع لا يحدث إلا في ظل السلام. وشبّه الفجوة التي أحدثها توقف الجائزة بما حدث لبعض الجوائز العالمية خلال الحروب الكبرى.

أما القاص والشاعر مغيرة حسن حربية فرأى أن اختفاء الجائزة يعكس حالة أشمل من العتمة واليأس، حيث تحوّل اهتمام الناس إلى النجاة من الموت بدلاً من متابعة الفعاليات الأدبية، مشيراً إلى أن البنية التحتية الثقافية انهارت تقريباً، وأن المبدعين يعيشون حالة شتات قاسية بين النزوح واللجوء.

الصورة: فعاليات سابقة لجائزة الطيب صالح

الخرطوم.. من الضجة إلى الصمت
قبل الحرب، كانت الخرطوم تحتضن ملتقيات الشعراء والروائيين ومعارض الفن التشكيلي والعروض المسرحية، إضافة إلى استضافة ضيوف عرب وأفارقة سنوياً.

وهو ما يصفه الباحث والمترجم المغربي، عضو اللجنة الخاصة بالرواية في الجائزة، سعيد بنكراد، في مقال له على مدونته باسم "زيارة إلى أفريقيا"، عندما زار السودان في العام 2020 لأول مرة بدعوة من اللجنة المنظمة. إذا قال "وفي اليوم الثاني بدأت فعاليات الجائزة، فقد كان الساهرون عليها ينظمون ندوة على هامش تسليم جوائزها تتناول قضايا فكرية وأدبية وسياسية. كان الحضور كبيرا، كان هناك المثقفون والسياسيون والطلبة وأساتذة الجامعة. غصت القاعة بالناس من كل الأعمار ومن الجنسين. وهو أمر لم يعد مألوفا عندنا إلا في النادر من الحالات. وكانت محاور الندوة غنية وكانت ثيماتها متنوعة أيضا. أشياء كثيرة كنت أجهلها عن السودان في التاريخ والثقافة وعن شدة ارتباطه بالإرث الحضاري العربي، ولكن كان هناك أيضا تشبث بموروث القارة الإفريقية في كل المجالات".

أما اليوم، فيصفها مثقفون بأنها مدينة مهجورة ثقافياً، حيث تحولت قاعات الندوات إلى مبانٍ متضررة أو مغلقة، وغابت الفعاليات التي كانت تشكل نبض الحياة الفكري. ونهبت دور النشر وتعطلت المطابع.

يقول بشرى الفاضل لـ"مواطنون" "الحرب تعمل على تغييب المنابر الثقافية باعتبارها زوائد غير ضرورية لاحتياجات الميدان حيث يلعلع السلاح لا مكبرات الصوت وحيث الرصاص لا الكلمات".

ويتفق معه مغيرة حين يصف المشهد الثقافي في ظل الحرب بأن كل شيء تهدم، البنى الراسخة للثقافة والإبداع بمراكزها الثقافية، ودور نشر الوعي والتنوير، المسارح والمكتبات ومعارض التشكيليين والمسارح، وملتقيات الشعراء والروائيين، كل شيء ولم تتبقى سوى أطلال خربة ومنهوبة. وهذا واقع مرير وحزين خلفته الحرب ولن نفوق من صدمته قريبا.

ويضيف مغيرة في حديثه لـ"مواطنون" "الخرطوم مهجورة والمبدعون في شتات كبير، يعيشون محنتهم الخاصة، نازحين ولاجئين وغرباء عن الوقت، فالحرب سممت كل شيء وطمست كل معنى للعيش والتأمل، هذا زمن الضجيج العالي والفراغ العريض والرصاص، لا وقت الشاعر وريشة الفنان، فكل شيء محجوب".

أمل مؤجل
رحل الطيب صالح في لندن عام 2009، لكن إرثه ظل حاضراً عبر أعماله التي جسدت البيئة السودانية وعرّفت العالم على شخصياتها وثقافتها. ومنذ تأسيس الجائزة باسمه، أصبحت ذكراه مناسبة سنوية لتجديد الحوار الثقافي حول قيم التسامح والتعايش التي جسدها أدبه.

توقف الاحتفال بذكراه لا يعني غياب أثره، لكنه يرمز إلى حجم الخسارة التي لحقت بالمشهد الثقافي نتيجة الحرب.

تحليل واقع المشهد الثقافي السوداني خلال السنوات الثلاث الماضية يكشف عدداً من النتائج الواضحة، تراجع الإنتاج الثقافي بسبب النزوح وفقدان الاستقرار، انهيار البنية التحتية للمؤسسات الثقافية، هجرة المبدعين إلى الخارج أو انشغالهم بتأمين سبل العيش وانقطاع الفعاليات الدولية التي كانت تربط السودان بالمشهد الثقافي العالمي.

هذه المؤشرات تؤكد قاعدة تاريخية أن الثقافة تزدهر في السلام، وتذبل في الحرب. مجلس الأمناء شدد في بيانه على أن توقف الجائزة مؤقت، وأن العودة ستتحقق متى ما توفرت ظروف آمنة تضمن الحفاظ على مستوى الجائزة ورسالتها. وأكد أن عودة الفعاليات الثقافية ليست مجرد نشاط رمزي، بل ضرورة للمساهمة في إعادة إعمار ما دمرته الحرب، مادياً ومعنوياً.

غياب جائزة الطيب صالح ليس حدثاً ثقافياً عابراً، بل مؤشر على شلل واسع أصاب الحياة الفكرية في السودان. فحين تغيب منصة أدبية بهذا الحجم لثلاث سنوات متتالية، فإن ذلك يعني أن الحرب لم تدمر الحجر فقط، بل أصابت الذاكرة الثقافية نفسها. ومع ذلك، يبقى الأمل معلقاً على نهاية الصراع، لأن الثقافة، كما يردد المثقفون، قد تختفي مؤقتاً تحت دخان البنادق، لكنها لا تموت.

معرض الصور