تم التحديث: ١٠ فبراير ٢٠٢٦ 10:34:38

تحديات الهدنة الإنسانية في السودان
الأصمعي باشري
في ظل استمرار الحرب في السودان وتحوّلها إلى واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في الإقليم، عاد الحديث مجددًا عن هدنة إنسانية محتملة، في وقت تتواصل فيه المعارك بوتيرة متفاوتة في إقليمي كردفان والنيل الأزرق، وسط تبادل حاد للاتهامات بين طرفي الصراع بشأن عرقلة وصول المساعدات الإنسانية. هذا الواقع يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى الهدنة المتوقعة، وإمكانية أن تشكل مدخلًا حقيقيًا لوقف إطلاق النار، أو أن تتحول إلى مجرد استراحة تكتيكية في حرب مفتوحة بلا أفق واضح.
منذ اندلاع القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، لم يعد الصراع محصورًا في صراع عسكري تقليدي على السلطة، بل تطور ليصبح أزمة مركبة ذات أبعاد إنسانية واجتماعية واقتصادية عميقة. ملايين السودانيين أُجبروا على النزوح داخليًا أو اللجوء إلى دول الجوار، وتعرضت البنية التحتية الصحية والتعليمية لانهيار شبه كامل، بينما تفاقمت معدلات الجوع وانعدام الأمن الغذائي، خاصة في المناطق الطرفية التي تعاني تاريخيًا من التهميش مثل كردفان والنيل الأزرق. في هذا السياق، تبدو الهدنة الإنسانية مطلبًا ملحًا، لا باعتبارها حلًا سياسيًا، بل كضرورة أخلاقية وإنسانية لوقف نزيف المدنيين.
غير أن الإشكالية الأساسية تكمن في أن مفهوم الهدنة الإنسانية ذاته أصبح محل تجاذب سياسي وعسكري. فكل طرف من أطراف النزاع يسعى إلى توظيف الهدنة بما يخدم مصالحه، سواء عبر تحسين صورته أمام المجتمع الدولي أو عبر إعادة ترتيب أوضاعه الميدانية. القوات المسلحة السودانية تنظر بريبة إلى أي هدنة لا تتضمن التزامات واضحة من قوات الدعم السريع بالانسحاب من المدن والمناطق الحيوية، وتخشى أن تتحول الهدنة إلى فرصة لإعادة التموضع وتعزيز السيطرة. في المقابل، ترى قوات الدعم السريع أن الهدنة يجب أن تكون غير مشروطة، وتركز على البعد الإنساني وفتح الممرات الآمنة، مع تحميل الجيش مسؤولية عرقلة قوافل الإغاثة عبر القصف الجوي أو القيود الإدارية.

هذا التناقض في الرؤى يعكس أزمة الثقة العميقة بين الطرفين، وهي أزمة تراكمت عبر سنوات من الصراعات والتحالفات الهشة والانقلابات السياسية. ومن دون معالجة هذه الأزمة، تظل أي هدنة عرضة للانهيار السريع، كما حدث في تجارب سابقة شهدها السودان منذ اندلاع الحرب، حيث تم الإعلان عن أكثر من وقف مؤقت لإطلاق النار، لكنه سرعان ما انهار تحت وطأة الاتهامات المتبادلة والانتهاكات الميدانية.
إلى جانب ذلك، تواجه الهدنة الإنسانية تحديات عملية على الأرض، خاصة في مناطق مثل كردفان والنيل الأزرق، حيث تتداخل خطوط التماس، وتنتشر مجموعات مسلحة محلية، وتغيب سلطة الدولة بشكل شبه كامل. إيصال المساعدات في هذه المناطق لا يتطلب فقط وقف إطلاق النار بين الطرفين الرئيسيين، بل يحتاج أيضًا إلى ترتيبات أمنية معقدة، وضمانات لحماية العاملين في المجال الإنساني، وتنسيق مع المجتمعات المحلية. وفي ظل الفوضى الأمنية وانتشار السلاح، يصبح أي خلل صغير كفيلًا بإفشال الجهود الإنسانية برمتها.
رغم هذه التحديات، لا يمكن التقليل من أهمية الهدنة الإنسانية كفرصة محتملة لفتح نافذة سياسية. فالتجارب الدولية تشير إلى أن كثيرًا من النزاعات المسلحة بدأت مسارات السلام فيها عبر ترتيبات إنسانية محدودة، سمحت ببناء قدر نسبي من الثقة، وخلقت مساحات للحوار غير المباشر. في الحالة السودانية، يمكن للهدنة أن تهيئ مناخًا أقل توترًا، وتمنح القوى المدنية والمجتمع المدني دورًا أكبر في الضغط باتجاه حل سياسي شامل، بدل ترك المشهد محصورًا بين فوهات البنادق.
لكن تحقيق ذلك يتطلب شروطًا أساسية، أبرزها وجود آلية رقابة مستقلة وفعالة لمتابعة تنفيذ الهدنة، وعدم الاكتفاء بالتعهدات اللفظية. كما يتطلب ضغطًا دوليًا وإقليميًا متوازنًا لا ينحاز لطرف على حساب آخر، ويركز على حماية المدنيين بوصفها أولوية قصوى. إضافة إلى ذلك، ينبغي ربط الهدنة الإنسانية بمسار سياسي واضح المعالم، حتى لا تتحول إلى إجراء معزول بلا أفق، أو إلى أداة لإطالة أمد الحرب.
إن الرهان الحقيقي على الهدنة لا يكمن فقط في وقف إطلاق النار مؤقتًا، بل في قدرتها على تغيير منطق الصراع نفسه، من منطق الحسم العسكري إلى منطق التسوية السياسية. وهذا يتطلب شجاعة سياسية من قادة الطرفين، واستعدادًا للاعتراف بأن استمرار الحرب لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدمار والتفكك، وأن السودان، بوضعه الهش والمتشظي، لم يعد يحتمل مزيدًا من المغامرات العسكرية.
في المحصلة، تمثل الهدنة الإنسانية المتوقعة في السودان اختبارًا حاسمًا لإرادة السلام لدى أطراف الصراع، ولجدية المجتمع الدولي في التعامل مع واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم اليوم. فهي إما أن تكون خطوة أولى على طريق وقف شامل لإطلاق النار وبناء سلام مستدام، أو مجرد محطة عابرة في حرب طويلة، يدفع المدنيون وحدهم ثمن استمرارها. وبين هذين الاحتمالين، يظل مصير ملايين السودانيين معلقًا على قدرة الفاعلين، داخليًا وخارجيًا، على تحويل الشعارات الإنسانية إلى أفعال ملموسة على الأرض.


