تم النشر بتاريخ: ٣١ أغسطس ٢٠٢٥ 06:14:45
تم التحديث: ٣١ أغسطس ٢٠٢٥ 06:19:06

الصورة: مواطنون

الصحفيون السودانيون: ثلاثون شهراً حرب وتحديات لا تنتهي

مواطنون
حرب السودان الكارثية التي دخلت عامها الثالث، تركت أثأرا عميقة ومدمرة على الصحفيين والحريات الصحفية في البلاد، إذ حملت الثلاثون شهراً الماضية خسائر بشرية ومادية جسيمة، وقيوداً متزايدة على الحريات، وانهياراً شبه كامل في بيئة العمل الإعلامي، مما حرم الجمهور من الحق في الحصول على معلومات موثوقة.

وبحسب نقابة الصحفيين السودانيين، فقد قُتل خلال العامين الماضيين 31 صحفياً وعاملاً في المجال الإعلامي نتيجة الاغتيالات أو القصف المباشر. كما سُجل اعتقال واحتجاز ما لا يقل عن 239 صحفياً وصحفية، فيما تعرض عشرات آخرون للضرب والانتهاك والملاحقة والتهديد. وبلغ مجموع الانتهاكات الموثقة منذ اندلاع الحرب 556 حالة.

وفي موازاة ذلك، أدت الحرب إلى انهيار بيئة العمل الصحفي، حيث اصبح أكثر من 1000 صحفي وصحفية خارج دائرة العمل، معظمهم في مؤسسات الإعلام الرسمي، يتقاضون ثلث رواتبهم أو أُحيلوا إلى التقاعد دون تسويات عادلة.

أما الصحفيون في المنفى، فقد فاق عددهم 500، يعيشون تحت ضغوط قانونية ومعيشية، لكن كثيرين منهم واصلوا العمل من الخارج لنقل الحقيقة وكشف الانتهاكات ضد المدنيين، رغم غياب او محدودية التغطية الدولية للأوضاع في السودان.

أوضاع مأساوية وصعوبات معيشية
يقول نقيب الصحفيين السودانيين، عبد المنعم أبو إدريس، إن أوضاع الصحفيين الاقتصادية تزداد سوءاً يوماً بعد يوم بسبب توقف الإذاعات والصحف والمحطات التلفزيونية، في وقت لا يزال فيه خطاب الكراهية والتخوين يشكل خطراً عليهم. وأوضح في حديثه لـ"مواطنون" أن الصحفيين المحاصرين في مدن الفاشر والدلنج وكادقلي يواجهون أوضاعاً قاسية أمنياً وغذائياً.

وأوضح أبو إدريس في حديثه لـ "مواطنون"، أن الصحفيين المحاصرين في مدن الفاشر والدلنج وكادقلي يعانون أوضاعًا قاسية أمنيًا وغذائيًا.

ومنذ اندلاع الحرب، اضطر كثير من الصحفيين النازحين للعمل في مهن أخرى بعد توقف مؤسساتهم الإعلامية. بعضهم اتجه إلى الأعمال التجارية الصغيرة داخل الأسواق، وآخرون إلى مهن هامشية لتأمين قوت يومهم.

الصحفي خالد ماسا يروي تجربته لـ "مواطنون" قائلا، "لم نكن وقتها محاصرين بالرصاص وقوات الجنجويد فقط في تلك الرقعه الجغرافية التي تقع شرق النيل وغرب الحياة. حاصرتني وقتها الحياة نفسها لأن الإنسان لا يتوقف عنها بسبب الحرب. في انتظار الموت برصاصة كنت محتاجا لما يسُد رمق هذا الانتظار. حِرفتي التي أعرفها لا أستطيع السبيل اليها".

ويواصل "لم نحاصر فقط بالرصاص وقوات الجنجويد، بل حاصرتنا الحياة نفسها. كنت محتاجاً لشيء يسد رمق الانتظار بين الموت والحياة". اضطر ماسا إلى بيع المياه على ظهر "كارو" متنقلاً بين الأزقة. يقول: "قرأت على نفسي وجعلنا من الماء كل شيء حي. أصابتني التجربة بكسور في الخاطر، لكن كلمات الناس: ربنا يسقيك وما يعطشك، كانت جبيرةً لي، أعود بها الى منزلي بعد سداد أجرة عربة الكارو".

ويصف ماسا مهنة السقا بأنها لم تخلُ من المخاطر، مثلها مثل كتابة مقال معارض في أزمنة القمع، أن تكتب مقالاً عن الثورة في زمن كبت الحريات. ويضيف "في كلا الحالتين كان هنالك رقيب لا يرغب في أن يكسب الواحد منا لقمة عيشه بالحلال. اذ يرى فيها حملة السلاح ايضا تهديداً لهم. لكن اقسى ما فيه هذه المهنة هي أنك تأخذ في مقابلها ما قد يكون آخر ما تملكه أسرة لديها اطفال

أما الصحفية امتنان الرضي، فقد وجدت نفسها مع أسرتها خارج الخرطوم بعد اندلاع الحرب. ووثّقت على صفحتها بفيسبوك عن تجربتها في الزراعة المنزلية لتعويض نقص السلع الغذائية، واعتبرت التجربة "ممتعة ومفيدة ومنتجة"، مؤكدة أن ظهور أول ثمرة جعلها تنسى مع أسرتها التعب والمعاناة وكتبت "كان ظهور ثمرة واحدة مما زرعنا ينسينا كل الرهق والمعاناة. كل زهرة تمثّل قصة تستحق أن تروى منفردة".

ويقول الصحفي ومقدم البرامج في اذاعة "هلا" رامي محكر لـ "مواطنون" انه فقد وظيفته فور اندلاع الحرب في الخرطوم، وبالتالي خسر مصدر دخله. واضطر للنزوح إلى مدينة الدويم، واستغلال كل ما يملك من مهارة او فرصة متاحة لتوفير مصادر للمعيشة، فبدأ بإنتاج إعلانات إذاعية وفيديوهات لأصحاب المهن الصغيرة، ثم عمل لفترة قصيرة في بيع الملابس ونقل البضائع بالدرداقات. ومع تنقله بين المدن وجد صعوبة في الاستقرار بالسوق، فاتجه إلى إنتاج الفيديوهات بالهاتف والتعليق الصوتي كمصدر دخل محدود، لكنه اعتبرها تجارب مفيدة.

تراجع الحريات وحرب المعلومات
وفق رصد سكرتارية الحريات بنقابة الصحفيين، فإن السودان أصبح منذ انقلاب 21 أكتوبر 2021 بيئة معادية للصحافة. ومع اندلاع الحرب تفاقم القمع، وتراجعت قدرة وسائل الإعلام المحلية على تقديم معلومات دقيقة، ليعلو صوت التضليل والشائعات على حساب الحقيقة.

وجد الصحفيون السودانيين انفسهم أمام بحر من التحديات. ومع توسع رقعة الحرب عجزت وسائل الإعلام المحلية عن أداء دورها في تقديم معلومات دقيقة ومحايدة، فخفت صوت الحقيقة وعلت مقابل ذلك أصوات التضليل والكذب.

الحرب لم تقتصر على الأرض فقد اشتعلت بموازاتها حرب ضارية في فضاء المعلومات حيث انتشرت الأخبار الكاذبة والشائعات في ظل غياب المصادر الموثوقة، ما زاد من تعقيد الوضع وأثر على حق المواطنين في الوصول إلى معلومات تساعدهم في اتخاذ قرارات سليمة.

انتهاكات متواصلة
وبحسب وحدة الرصد، بلغ إجمالي الانتهاكات الموثقة ضد الصحفيين منذ اندلاع الحرب 556 حالة، منها 317 انتهاكاً مباشراً، إضافة إلى 239 حالة احتجاز داخل مقار العمل مع بدايات الصراع، بجانب حوادث نهب لمنازل صحفيين في الخرطوم.

كما تعرض صحفيون لإطلاق النار في الطرقات وأماكن العمل أو للقصف داخل منازلهم، ما عرض حياتهم وحياة أسرهم للخطر. بلغ عدد ضحايا إطلاق النار 34 شخصاً، بينهم 11 صحفية. كما سُجلت 73 حالة اعتقال وإخفاء قسري، بينها 12 لصحفيات، غالباً دون أوامر قانونية واضحة وبسبب عملهم الصحفي، حيث يُحرمون من التواصل مع محامين ويتعرضون للتعذيب وسوء المعاملة.

الحرب دمّرت المؤسسات الإعلامية وبنيتها. الصحف الورقية توقفت بالكامل لأول مرة منذ 120 عاماً، وتوقف بث الإذاعة القومية لأول مرة منذ تأسيسها عام 1940 قبل أن يعاود لاحقاً. نحو 90% من العاملين في القطاع فقدوا وظائفهم، بينما برزت مئات المنصات الرقمية بإمكانات فردية محدودة.

ويعاني الصحفيون داخل السودان أيضاً من انقطاع خدمات الاتصالات والإنترنت، أو حجبها في مناطق النزاع، مما يعرقل عملهم ويمنع المواطنين من الحصول على المعلومات.

كما يُعاني الصحفيون داخل البلاد من عدم استقرار خدمات الاتصالات والإنترنت وحجبها أحيانا في مناطق النزاع، مما يمنعهم من أداء مهامهم ويعرقل حصولهم على الحقائق والوصول إلى المصادر ويحرم المواطنين من الحصول على المعلومات.

معرض الصور